ماذا يخفي دخان حريق غابة طنجة؟ – اليوم 24
رجل إطفاء يكافح للسيطرة على أسلنة اللهب بحريق في غابات - أرشيف
  • s

    رغم ضائقتها المالية… 
جماعة طنجة تكتري سيارات فخمة

  • 21733665_10214259605547843_1905136236_o

    مهنيو النقل الطرقي متوجسون من قرار جديد لبوليف

  • تجسس اسرائيل

    مجندة إسرائيلية في مهرجان “طنجاز” يثير حفيظة حقوقيين

مجتمع

ماذا يخفي دخان حريق غابة طنجة؟

بعد مرور أكثر من أسبوع على إطفاء أضخم حريق عرفه محيط مدينة طنجة منذ سنوات، والذي استمر ثلاثة أيام بلياليها، مخلفا خسائر في الغطاء النباتي والمجال الغابوي، قدرتها المصالح الرسمية بنحو 230 هكتارا، لم تعلن السلطات نتائج التحقيق القضائي في الحادث، لأن الأبحاث، حسب ما أكده مصدر أمني لـ”اليوم 24″، «لاتزال متواصلة، وستعلن نتائجها فور التوصل إليها». وتتميز المساحة الخضراء التي أتت عليها ألسنة النيران بنبات متنوع تطغى عليه أشجار الصنوبر والفلين، فيما تتكون 45 في المائة من المساحة، التي تحولت إلى رماد، من أعشاب ثانوية.

 
وتعتبر غابات «السلوقية» و«مديونة» و«كاب سبارطيل»، المطل على المحيط الأطلسي، من أقدم المنتزهات الطبيعية في المغرب، وجاء ذكرها في عدة كتب، وتحدث عنها مؤرخون قدامى، رجحوا أن تاريخها يعود إلى عشرة قرون خلت، قبل أن يؤدي عبث الإنسان واستخفافه بقيمتها إلى استنزاف مساحات واسعة منها بشكل تدريجي.

 
ومن أبرز أوجه الاستغلال السلبي للمجال الغابوي بمدينة طنجة، فتح المحميات الطبيعية أمام التحطيب الجائر تمهيدا لعمليات البناء والتعمير، إذ يتذكر الطنجاويون كيف بدأت تتحول الأراضي الغابوية إلى كتل من الاسمنت المسلح منذ سنة 2003، بعدما اشترى مستثمر أردني من شركة فرنسية مساحة 35 هكتارا من الغابة، أقام عليها وحدات سكنية فاخرة في إطار مشاريع سياحية، درت عليه ملايير الدراهم، لكن ذلك كان على حساب سكان المدينة، الذين فقدوا أهم المنتزهات الطبيعية، وتضرروا من الانعكاسات السلبية التي خلفتها عمليات البناء على البيئة والتوازن الإيكولوجي.

من المستفيد؟

في كل كارثة طبيعية تعصف بالمجال الأخضر في عاصمة البوغاز، غالبا ما تكون هناك جهات مستفيدة منها، وهذا الارتباط الموضوعي بين وقوع الحرائق والاستيلاء على الوعاء العقاري للغابة، هو الذي جعل نشطاء المجتمع المدني، من المدافعين عن البيئة والموروث الطبيعي والتاريخي لمدينة طنجة، يتحركون من أجل ألا يتكرر ما جرى في الماضي القريب، بعدما تهافتت أطماع عقارية على محميات طبيعية بمدينة طنجة، مثل «غابة الفرنساوي»، و«المريسات»، و«طنجة بالية»، و«السانية»، و«مولاي عبد الله»، و«جبل كبير»، و«أشقار»، والتي اجتاحتها المباني العمرانية من أشكال وأصناف مختلفة.

 
فالمكان، الذي أتى عليه الحريق، كان موضوع ضجة كبيرة في أوساط المجتمع المدني بمدينة طنجة، خاصة بعد شيوع أنباء تفيد بوجود مخطط مشروع أجنبي في المنطقة، وهو الأمر الذي أغضب والي جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، محمد اليعقوبي، وجعله يجمع مختلف المسؤولين التابعين لإدارته، وينظم ندوة صحافية استدعي إليها بعض المواقع الإخبارية المحلية، لينقل عبرها نفيا رسميا بخصوص وجود أي مشروع سياحي في المنطقة المنكوبة، مبديا انزعاجه الشديد من ترويج «إشاعة» حول الموضوع.

توقيت غير بريء؟

من بين العوامل التي جعلت الرأي العام المحلي يرجح فرضية الفعل المدبر في الحادث، ليس فقط وجود ما سماه مصدر مطلع «أطماع وحوش العقار»، التي «تحوم حول المنطقة منذ مدة طويلة، ولم تجد سبيلا لبلوغ مبتغاها بفعل يقظة وانتباه فعاليات المجتمع المدني»، بل هناك أيضا عوامل موضوعية تتمثل في توقيت وطريقة اشتعال النار، فمعروف بمدينة طنجة أن رياح الشرقي تهب عاتية في فصل الصيف، وبالتالي، فإن جمرة صغيرة من مخلفات «كانون» طهي طعام في الهواء الطلق، أو بقية سيجارة مشتعلة إذا ما ألقيت على الحشائش اليابسة، كفيلة بإشعال نار تأتي على الأخضر واليابس.

 
كما أن شهادات سكان الجماعة السلالية بمنطقة «مديونة»، الذين التقتهم “اليوم 24″، تفيد بأن الأماكن التي انطلقت منها الشرارة الأولى للنيران لا تعرف أي نشاط بشري، إذ إنها ليست من الأماكن التي يقصدها عادة المصطافون خلال خرجاتهم للمنتزهات الطبيعية، لأن التضاريس الجغرافية لتلك الغابة وعرة جدا، وتقع في منحدرات زلقة، كما أنها ليست من المناطق التي يتخذها المهاجرون الأفارقة السريون «مأوى» لهم، والذين لم يتردد البعض في اتهامهم بالتسبب في الحريق الأخير.

تصميم جاهز

بالعودة إلى تصميم التهيئة الحضرية الجديد لجماعة طنجة، الذي خرج أخيرا إلى حيز الوجود، وعرض للبحث العلني لفائدة عموم سكان عاصمة البوغاز، فإن الوضعية القانونية للمنطقة التي طالتها الحرائق طرأ عليها تغيير حولها إلى منطقة مخصصة للتنشيط السياحي (ZAT)، بعدما كانت محمية طبيعية. ويجري الحديث بقوة عن وجود تصميم لمشروع سياحي كبير في المنطقة نفسها، أعدته شركة «Fenwick Iribarren Architecte» العالمية للتصاميم المعمارية والديكور.

 
التصميم المذكور نشرت تفاصيله الشركة العالمية التي يوجد مقرها الرئيس في إسبانيا على موقعها الرسمي «Fenwickiribarren.com»، تحت اسم مشروع كاب سبارطيل الذي صممت مخططه الشامل (Cap Spartel Master Plan)، مبينة أن هذا المخطط معد لفائدة شركة تحمل اسم «دبي العالمية للعقارات» (Dubai International Properties)، باعتبارها صاحبة المشروع الذي تقدر مساحته بـ200 هكتار.

 
وحسب المعطيات المشار إليها في البطاقة التعريفية للمشروع نفسه، ووفق مكتب الدراسات للتصاميم الهندسية والديكور، فإن المنطقة ستضم منتجعا سياحيا يحتوي على العديد من الإقامات السكنية، عبارة عن فيلات فاخرة ستكون محاطة بملعب غولف، بالإضافة إلى مرفأ بحري مخصص لرسو الزوارق واليخوت، و«مارينا» ستكون منقسمة إلى شطرين؛ منطقة مشيدة على منحدر يطل على البحر، وأخرى بمساحة منبسطة تمتد فوق الشاطئ.

نفي ونفي

للتأكد من صحة المعلومات المنشورة في الموقع الإلكتروني لمكتب الدراسات المذكور، بعثنا رسالة نصية عبر البريد الإلكتروني إلى المركز نفسه، وسألناهم بشكل مباشر عمَّ إذا كان التصميم المنجز يعود إلى شركة «دبي العالمية للعقارات» الإماراتية أم لا، ورغم أن سكرتيرة المكتب، الذي يوجد مقره في إسبانيا، أكدت، في اتصال هاتفي بها صباح الاثنين الماضي، توصلها بالرسالة وإحالتها على الإدارة قصد ترتيب رد في غضون 24 ساعة، فإنه في اليوم الموالي، أي يوم الثلاثاء، لم نتوصل بأي جواب، وعند معاودة الاتصال بالمكتب لم يرد على اتصالات الموقع.

 
تهرب المكتب من الجواب دفعنا إلى إعادة كتابة رسالة ثانية بها استفسار بنبرة أكثر حدة، وفي مساء اليوم نفسه (أول أمس الخميس)، وصلنا جواب «مارك فينويك»، يحتج فيه على محتوى الاستفسار، بدعوى أن المكتب ليس ملزما بالرد على الصحافيين، وأن من حقه ألا يرد على استعلامنا بشأن هذا الموضوع، لأن بعض المشاريع تتوخى السرية.

 
وبخصوص موضوع السؤال، أجاب «مارك فينويك» بالقول: «إن المشروع المشار إليه في الموقع الإلكتروني Fenwick Iribarren Architecte، يتعلق ببعض الأفكار النظرية التي أعدت لزبوننا في حينها» (يقصد شركة دبي العالمية للعقارات)، مضيفا أن «الأمر يتعلق فقط برسومات ملونة أنجزناها في المغرب وفي دول أخرى، ولم يقم مكتبنا بتطويرها، وحاليا لا نعرف شيئا عن الأملاك العقارية في أراضي كاب سبارطيل، ولا نعلم أي تفاصيل إضافية بعد تسليم الرسومات للشركة الإماراتية سنة 2005».

مخطط قائم أم مجرد فكرة؟

ولمعرفة المزيد عن المساحة التي طالتها الحرائق، قصدنا قسم الممتلكات بالجماعة الحضرية لطنجة، والذي قامت مصالحه بمعاينة ميدانية لمكان الحادث، وإنجاز تحديد خرائطي تقريبي للمساحة التي طالتها الحرائق، فتبين أن الأمر يتعلق بوعاء عقاري يتخذ شكل «موزة»، ويقع ما بين غابة كاب «سبارطيل»، و«السلوقية» و«مديونة»، ويضم سبع قطع أرضية متفاوتة المساحة عبارة عن رسوم عقارية، في ملكية الدولة باسم المندوبية السامية للمياه والغابات، ومطلب تحفيظ واحد، عليه نزاع قضائي بين مجموعة من الخواص، حسب الوثائق التي تمكنت “اليوم 24” من التوصل إليها في الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح الخرائطي.

 
كما تبين، بعد البحث عن التحديد الموضعي للوعاء الغابوي المذكور، أن المنطقة التي نشبت فيها الحرائق انتقلت، في تصميم التهيئة الجديد، من منطقة محمية طبيعية (Zone Réserve Naturelle)، إلى منطقة للتنشيط السياحي (Zone Animation Touristique)، يساعدها موقعها الاستراتيجي المطل على شاطئ أشقار في احتضان مشاريع سياحية فاخرة جدا.
ولا يستبعد أن يكون التصميم، الذي أنجزه مكتب الدراسات الهندسية والتصاميم الإسباني، أقرب تصور يتناسب مع طبيعة الموقع الجغرافي للوعاء الغابوي، الذي يعرف لدى الرأي العام المحلي بـ«بنانة» لأن المكان يتخذ شكل «الموزة»، فهل هذا التطابق بمحض صدفة، في الوقت الذي اعتبر فيه الوالي، محمد اليعقوبي، أن الحديث عن مشروع إماراتي مجرد إشاعة؟
للوصول إلى معطيات أكثر تفصيلا، كان لزاما التحري حول الأمر لدى الجماعة الحضرية لطنجة، لمعرفة ما إذا كانت قد سلمت ترخيصا لشركة عقارية، من أجل تشييد مشروع سياحي ضخم في المكان الذي أصبح وعاء لاستقبال أنشطة سياحية، حسب الوثيقة الإدارية الجديدة لتصميم التهيئة، إلا أن مسؤولين بمصالح قسم التعمير والممتلكات أكدوا أنهم لم يمنحوا أي رخص بناء في المجال الغابوي الذي تعرض للحرائق في المنطقة.

 
وبما أن المسؤول الأول عن المجال الترابي لجهة طنجة نفى وجود مشروع سياحي في هذه المنطقة، فهل يعني ذلك أن هناك ضمانات قانونية تحول دون فتح المنطقة أمام مشاريع سكنية؟ مصدر خبير أكد للجريدة أنه لا يوجد أي عوائق قانونية تحول دون تفويت المنطقة المذكورة من ملكية الدولة إلى أملاك الخواص أو الشركات بغرض الاستثمار، لأنها أصبحت، في تصميم التهيئة الجديد، منطقة للتنشيط السياحي، مبرزا أن الأمر يتطلب المرور عبر المركز الجهوي للاستثمار، وفي هذه الحالة، فإن خروج المشروع إلى حيز الوجود يتطلب مسطرة إدارية تأخذ وقتا طويلا، قبل الوصول إلى الجماعة الحضرية التي تسلم شواهد الإذن بالبناء، أو اللجنة التي يرأسها الوالي، إذا كان الأمر يتعلق بمقرر الترخيص الاستثنائي، والذي يتعلق بوعاء عقاري في ملكية الدولة، مثل وضعية المجال الغابوي.

 
بناء على المعطيات التي استجمعتها “اليوم 24” من مختلف الأطراف المتدخلة في الموضوع، والمعلومات المتوفرة حول مآل مجموعة من المحميات الطبيعية بطنجة في ظروف سابقة مشابهة، أدت إلى تحويل مناطق غابوية إلى مناطق عقارية، في إطار رخص التعمير الاستثنائية، لا تستبعد مصادر مطلعة وجود ما سمته «الأطماع التي تتحين فقط الفرصة والتوقيت المناسبين لبسط سيطرتها على المجالات الغابوية». وحسب العارفين بخبايا الشأن المحلي لعاصمة البوغاز، فإن خرجة والي جهة طنجة، وإعلان إعادة تشجير المناطق المتفحمة، لم تكونا لتتما لولا وجود «ضغوطات عليا» لاحتواء الضجة الكبيرة، التي أثارها الحديث عن مخطط مشروع سياحي محتمل في المكان نفسه الذي دمرته الحرائق.

شارك برأيك

علال كبور

في ضل انهيار هيبة الدولة وتحكم رموز الفساد بتواطؤ مع الدولة العميقة كل شيء ممكن لان القانون مغيب وسيادة الفوضى والتسيب وانعدام مقومات الدولة

إضافة رد