سقُوط القُدوة – اليوم 24

سقُوط القُدوة

  • الفلسفة والتفكير النقدي

  • المغرب ومفارقاته

نعني بـ “القدوة” هنا “القدوةَ الحسنة”، التي تقابلها في الاختلاف “القدوةُ السيئة”. وفد جعلها “معجم المعاني الجامع” رديفاً  لـ”الأُسوة”، أي من  “يتخذه الناس مثلاً في حياتهم”، كأن يُقال “كان قدوة للآخرين”، أو “لي بك قدوةٌ”، أي أسوة ومثال. والقُدوة بضَمِّ الميم وكسرِها تعني الأصل ومنها تتشعب الفروع، وبذلك تكون المرجعَ والمصدر. وعلى منوال هذا المعنى  عرف “القرطبي”، رحمة الله عليه، الأُسوة بقوله: “هو ما يتأسى به أي يعتزي به فيقتدي به في جميع أحواله”.. الخلاصة إذن، أن حقلَ دلالة  “القدوة” يُحيل على شبكة المُثل والقيم والخصال التي تتوفر في شخص أو جماعة فتجعله أو تجعلها مصدر اقتداء وتمثّل ومُسايرة. لذلك، يُصبح دورُ القُدوة في أي مجتمع مفصلياً وبالغ الخطورة في الآن معا. ثم إن وجود القُدوة لا ينحصر في مستوى بعينه، أو عند دائرة بذاتها، بل يخترق  مؤسسات الدولة ونسيج المجتمع من أسفله حتى أعلاه، ويعبُر كل الميادين، غير مقتصِر على  السياسة في ذاتها، بل يمسُّ الاقتصادَ والثقافة والفكر، وكل ما يهم حياة الناس.

دأبت باستمرار على متابعة التغيرات الجارية باطراد في منظومة قيم   بلدي، في وسط العائلة، وفي فضاء المدرسة ورحاب الجامعة، وفي عوالم السياسة، وعبر كل شبكات الاجتماع المدني، وكنت دائما أطرح السؤال تلو الآخر عن التغيير الذي يزحف على ما يجمعنا كمغاربة ويُعضد لحمتنا الاجتماعية، وكثيرا ما كنت أعتقد، كما اعتقد غيري، أنها تغيرات طبيعية، وأن من البديهي أن يكون للتحديث والانتقال إلى بناء الدولة العصرية كلفة، في صدارتها تغير منظومة القيم وتبدّل أحوال الناس. والحقيقة أن في كل مرحلة من مراحل تطور المغرب كان يُشار إلى خطورة الفجوات التي ألمّت بالمجتمع وأثرت على روحه العامة، ودفعت أبناءه إلى فقدان القدرة على المحافظة على لازِمة العيش المشترك فيه، بل، وهذا هو الأخطر، قتلت لدى بعضهم حاسّة الانتساب الوجداني إليه. ولم يكن صدفة، ولا من مكر التاريخ، قبل أن يجف حبر التوقيع على اتفاقية الاستقلال أصبحنا أمام مغارب بالجمع، وليس أمام مغرب بالمفرد.. ومنذئذ وكرة الثلج تتدحرج باستمرار، إلى أن أصبحنا على ما أصبحنا عليه: نثق قليلا، وينتابنا الشك وعدم اليقين باستمرار.

في حوارات “ذاكرة ملك” ) 1993(، أجاب الملك الحسن الثاني رحمة الله عليه، عن سؤال العلاقة بين الملكية أو القصر والحركة الوطنية، فكانت خلاصة جوابه، بعد تشخيص مكامن التباعد والتناقض بين الطرفين، قوله: “لقد كانت حقا مأساة بالنسبة إلى المغرب”، وكأنه، إذا كان فهمي سليماً، يقدم نقداً ذاتيا عن السنوات التي أضاعها المغرب في الصراع ما بين 1960 و1993. وحين تولى وريثه الحكم صيف 1999، شهد المغرب ميلاد وثيقتين بالغتي الأهمية، كان الأمل كبيرا في أن تدشنا حقبة نوعية جديدة في تقدم البلاد وقطعها مع الماضي، وهما تحديدا: تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة والتقرير الصادر عنها (2005 (، و”تقرير الخمسينية” (2006(، والصورة التي رسمها عن رؤية تحرير الإمكان البشري في أفق 2025.. ومرة أخرى يجد المغرب نفسه منشداً إلى إرثه الثقيل، غير قادر على الاندفاع بإرادة في جدلية البناء المتوازن والمستدام، والحال أن خطاب العرش لـ 29 يوليوز 2017، شكل بكل المقاييس وقفة جريئة وصادمة مع الذات.

في نص الخطاب الملكي الكثير من المفردات والكلمات والتعابير التي تنمّ عن الأزمة العميقة التي تسِم المغرب، وتحول بينه وبين التحرر من ماضيه القريب. أما المصدر الناظم لها، فهو من طبيعة ثقافية وفكرية، عبر عنها ملك البلاد بجمود العقليات ومناكفتها للتغيير. والواقع أن هنا يكمن مشكل المشاكل، وهنا مرة أخرى تنكشف مفارقات المغرب السياسي. ولأن تغيير العقليات لتواكب طموحات المغرب وتُعضد مسيرته، يحتاج إلى وقت بسبب طبيعته الثقافية، فإن إعادة بناء القدوة التي سقطت بالتدريج مع الأسف، قد يكون أحد المفاتيح لفتح الطريق دون كبوات أمام تقدم المغرب.. لنتذكر فقط، أن دولا، كانت أقل منا شأناً، فأصبح لها شأن في عالم الاقتصاد والسياسة والتنمية إجمالا، بفضل قُدوات زرعت في قلوب أبنائها الأمل بأن التقدم ممكن وطريقه سالك.. لنتذكر مملكة ماليزيا، والدور الريادي الذي لعبه رئيس وزرائها “محمد مهاتير”، وسنغفورة وباني مجدها الحديث “لي كوان يو”.. والقائمة طويلة..

شارك برأيك