ربط المسؤولية بالمحاسبة – اليوم 24

ربط المسؤولية بالمحاسبة

  • مشاهد استثنائية ببن يدي مؤتمر pjd

  • عبد العلي حامي الدين

    عبد العلي حامي الدين: وظيفة المجلس الوطني نقل المقترحات فقط

من الفقرات القوية التي تضمنها الخطاب الملكي الأخير، بمناسبة الذكرى الثامنة عشرة لعيد العرش، الفقرة التالية: “أشدد على ضرورة التطبيق الصارم لمقتضيات الفقرة الثانية، من الفصل الأول من الدستور التي تنص على ربط المسؤولية بالمحاسبة. لقد حان الوقت للتفعيل الكامل لهذا المبدأ. فكما يطبق القانون على جميع المغاربة، يجب أن يطبق أولا على كل المسؤولين بدون استثناء أو تمييز، وبكافة مناطق المملكة”.

إنها مناسبة لتسليط الضوء على هذا المبدأ الذي استقر في المتن الدستوري بعد تعديلات يوليوز 2011، من أجل فهم فلسفته العميقة والسياق التاريخي الذي برز فيه.

لقد برز مفهوم ربط المسؤولية بالمحاسبة، مع ترسيخ مبدأ المسؤولية السياسية للحكومة، في سياق التطور الذي عرفه النظام البرلماني في بريطانيا أساسا، وهو يحاول البحث عن التوازن بين منصب رئيس الدولة، الذي يتربع على عرشه التاج البريطاني، وبين منصب رئيس الحكومة المنبثق عن مجلس العموم المنتخب بالاقتراع العام المباشر من طرف الشعب.

فرغم وجود منصب رئاسة الدولة ورئاسة الحكومة، فإن المسؤولية السياسية تكون ملقاة على عاتق الحكومة، ويكون للوزراء مسؤولية تضامنية أمام البرلمان، بينما يعتبر الملك رئيس الدولة في الأنظمة البرلمانية غير مسؤول سياسياً لأنه لا يمارس السلطة التنفيذية، وبالتالي فهو منزه عن الخطأ، وكذا عن المسؤولية، ومبدأ عدم المسؤولية هذا نشأ في إنجلترا، وترتبت عليه نتائج مهمة..

طبعا،  في النظام البرلماني يعدّ رئيس الدولة هو الرئيس الأعلى للسلطة التنفيذية، ويوجد بجانبه رئيس الحكومة، ويكون مرؤوساً له، ويخضع لإرشاداته وتوجيهاته.

وتبعاً لوظيفة رئيس الدولة في النظام البرلماني، ولا سيما في الأنظمة الملكية،  انقسم الفقه الدستوري بشأن دور الملك، وذلك حسب التطور التاريخي للمجتمع البريطاني ولطبقته السياسية، بحيث ذهب بعض الفقه إلى أن الملك باعتباره رئيسا للدولة، في ظل نظام برلماني يقر مبدأ المسؤولية السياسية، لا يستطيع ممارسة أي سلطات حقيقية، بينما ذهب قسم آخر إلى أن الدستور يمكن أن يسند إليه بعض الصلاحيات والسلطات بالتنسيق مع الحكومة.

إن ربط المسؤولية بالمحاسبة في الأنظمة الديمقراطية / الملكية، تستلزم أن تقوم الحكومة بأعباء الحكم بوصفها المحور الرئيس للسلطة التنفيذية في النظام البرلماني، وتبعا لذلك فإن المسؤولية السياسية الكاملة تقع على عاتقها أمام الهيئة النيابية.

ويمكن القول بأن المسؤولية السياسية للحكومة وللوزراء تعتبر من أعمدة الديمقراطية في الأنظمة البرلمانية، وبدونها يفتقد هذا النظام جوهره، وتتغير طبيعته ونصبح أمام نموذج هجين لا يسمح بتحديد المسؤوليات بالدقة اللازمة، وهو ما تضيع معها إمكانيات المحاسبة…

طبعا، من الضروري القول بأن النظام البرلماني نشأ في حضن القانون الدستوري الغربي، غير أن ذلك لم يمنع رواد الحركة الإصلاحية بالمغرب من استلهام هذا النموذج في بيئتنا السياسية، ومن أبرزهم علال الفاسي، الذي كان متأثرا بالتجربة البريطانية عبر كتاباته السياسية الأولى، وخاصة في كتابه النقد الذاتي الذي كتبه سنة 1949، والذي عبر فيه عن إعجابه بالنموذج الإنجليزي في الحكم، بحيث كان يرى أن مرحلة الاستقلال ينبغي أن يتم التهييء لها منذ تلك اللحظة، “بحيث نعتبر أنفسنا منذ الآن في الاتجاه الملكي الدستوري، وذلك ما يفرض علينا الالتفات إلى الذين سبقونا في هذا المضمار وهم الإنجليز”، ويرجع هذا الإعجاب بالنظام البرلماني إلى النجاح الذي حققته التجربة الإنجليزية في المحافظة على الملكية باعتبارها أم المؤسسات وتاجها الأصيل على رأس قمة الهرم السياسي، كما استمرت رمزا للوحدة الوطنية وتجسيدا لآمال الأمة وطموحاتها المشتركة، وفي الوقت نفسه، فإن الجهاز التنفيذي ينبثق عن الأغلبية السائدة في البرلمان ويتمتع بسلطات حقيقية تهم تدبير الشأن العام.

إن مصدر إعجاب علال الفاسي كان يكمن، أيضا، في ذلك التوافق التاريخي الذي تحقق بين المؤسسة الملكية في بريطانيا وباقي مكونات المجتمع، وبغض النظر عن المراحل التي أوصلت النظام السياسي البريطاني إلى النجاح، فإن استقرار التجربة الديمقراطية الإنجليزية ارتبط برسوخ عقيدة سياسية لدى الشعب الإنجليزي تؤمن بأن الذي يحكم يجب أن يُسأل، وبما أن الملك في بداية الأمر كان يتولى حقيقة السلطة، وهو الذي يقرر شخصيا في شؤون الدولة، فإنه هو الذي يجب أن يعتبر مسؤولا.. إلا أن تاريخ البريطانيين العتيق خلال القرن السابع عشر أقنعهم بخطورة الثورات (خصوصا ثورتي 1648 و1681) على مجرى أمورهم اليومية، وسلبياتها على علاقاتهم مع رموز تراثهم (وخصوصا المؤسسة الملكية)، لذلك سعوا إلى نقل السلطة من المؤسسة الملكية إلى الحكومة..

رحم الله علال الفاسي ..

 

شارك برأيك