الأحزاب وبدائلها.. – اليوم 24

الأحزاب وبدائلها..

  • الإسلاميون وأفق الإصلاح…

  • “هذا ليس غليونا”..

تمر البلاد بمرحلة سياسية حساسة من علاماتها البارزة احتقان اجتماعي- سياسي متواصل بشمال المغرب، حكومة ضعيفة يحتمل أن تخضع لجراحة موضِعِية في المقبل من الأيام، إقبال متزايد على الفعل الاحتجاجي البعيد عن مظلات الأحزاب والنقابات والجمعيات الحقوقية، لجوء جماعي إلى وسائل التواصل الاجتماعي للتعبير عن المظالم والمطالب وسرد قصص المعاناة الفردية والجماعية، واجتهاد رسمي منشغل بتدبير الآني والطارئ بأي ثمن، غير مكترث بالانعكاسات بعيدة المدى لتدبيره. وفي قلب هذه المحددات العامة، هناك حديث صريح عن فشل الأحزاب وإخفاقها في أداء وظيفتها.

صحيح أن معظم الأحزاب تحولت من زمان إلى تجمعات عائلية – ريعية تحمي بالسياسة مصالحها، وتستثمر أموالها في تعضيد نفوذها السياسي، وأكبر معاركها صارت معارك داخلية بين العائلات على توريث المناصب للأبناء وزرع نسلها في هذا القطاع أو ذاك. لكن هل الأحزاب كلها قابلة للاختزال في هذه الصورة؟

لا. المشكلة تتمثل في أن الأحزاب غير القابلة للاختزال في هذه الصورة أقلية بحكم الواقع. إما لأنها ترفع شعارات ومبادئ جذابة وتجر وراءها سيرا نقية، لكنها عاجزة عن تعبئة الأصوات، وبالتالي التأثير في السلطة وتطبيق شعاراتها، وإما لأن لها القدرة على تعبئة الجماهير، لكن نظام الحكم في شموله لا يطيقها ولا يقبل بها ويتشاءم من تزايد شعبيتها ومستعد لإزاحتها من عربة السلطة في أول منعرج.

نتيجة لذلك تبقى الأحزاب المرضي عنها هي وحدها التي تتصدر المشهد. وهي تلك التي تعرض خدماتها للكراء والشراء على طول العام. أحزاب لها هيكلة تنظيمية تتطابق شكلا مع هيكلة كافة الأحزاب عبر العالم. لها مقرات وأمناء عامون وكتابات إقليمية وشبيبة وقطاعات نسائية ومهنية ومواقع وصفحات تواصل اجتماعي وشعارات وأعضاء ومناضلون وورقات وخربشات تعريفية. وكل هذا المجهود الشكلي/ التشكيلي المعلّب في قالب حزب هدفه خدمة السلطوية والاستبداد في معادلة تقوم على مراكمة النفوذ والريع مقابل تلميع الواجهة، الإيحاء، الإيهام، وإعطاء الانطباع بأن في البلاد أثرا للديمقراطية.

وشهية النظام دائما مفتوحة على تعليب الأحزاب. أحيانا قد يكتري النظام مكتبا سياسيا أو أمانة عامة عن بكرة أبيها. القيادات التاريخية كلها تضحي بـ”تاريخيتها” في لحظة معينة مقابل سعر معين. تتوقف عن ممارسة فعلها “التاريخي”. تتجمد في نقطة معينة من الزمن. تدخل المتحف محنطة في جلابيب بيضاء. تنتقل من الفعل التاريخي إلى العرض المتحفي. وإذا كانت الأحزاب محنطة في المتاحف، ومحاصرة في دوائر السلطة وخارجها، وما عادت تحظى بثقة الشارع، فهذا لا يعني أن الناس ستنتظر انبعاثها من جديد لتعبر عن مواجعها.

هناك، أيضا، واقع إشكالي بالمغرب. إذا تحمّل حزب مسؤوليته السياسية وتبنى حركة احتجاجية أو ملفا مطلبيا يكون ذلك سببا مباشرا في جمود ذلك المطلب وفقدان تلك الحركة لمصداقيتها. الحزب يُتهم بالمزايدة السياسية أو إشعال فتيل الاحتجاجات. وهربا من هذا الاتهام يبتعد الحزب من تلقاء ذاته عن منح عباءته للمحتجين، وإلا فهناك أحزاب ونقابات تزايد فعلا ببعض المطالب وتحقق مكاسب دنيئة من ورائها، ما يجعل الشارع يكفر بهذه الأطر. وإذا اتفقنا على أن أي وساطة سياسية أو نقابية بين المواطنين والدولة من الصعب أن تخلو من أحد أشكال الاستفادة من هذا الدور في الطريق، فسنقف على مدى عمق هذا الإشكال. كيف يمكن للأحزاب أن تلعب دورها دون أدنى مستوى من الاستفادة؟ وكيف يمكن للشارع أن يستأمنها على مظالمه وهو يعلم أن النتيجة سيان، سواء أكان الحزب صادقا في نواياه أو مخادعا؟ إذا كان صادقا في نواياه منحازا للشارع، ستعاقبه السلطة هو والشارع من ورائه، وإذا كان مخادعا فستساومه ويساومها على حساب المحتجين.

وإذا قلنا إن الأحزاب التقليدية عبر العالم تنهار، وتغزو حركات وأحزاب جديدة العالم بناء على فلسفات مختلفة (بوديموس، خمس نجوم، إلى الأمام..)، فما المانع أن تنهار هنا أيضا، لذلك ينبثق السؤال التالي: هل تسمح السلطة بتبلور بدائل حقيقية هنا؟ بدائل تعيد إلى السياسة حرارتها ومعناها، بدائل تخرجت من ساحات الاحتجاج لا من مدارس القناطر والمعلبات.

 

شارك برأيك