نحو روحانيات متسامحة – اليوم 24

نحو روحانيات متسامحة

  • الـمـــفــــاجـــــأة

  • هجرة أم تهجير؟

ترتب عن المواقف النضالية للحداثة، إغفال الجوانب المتعلقة بالقيم الروحية ومبادئها. وإذا كنا نلاحظ اليوم أشكالا جديدة من العودة إلى هذه  القيم، في حياة الإنسان والمجتمع، فإنه يجب أن لا يغيب عن بالنا أن جوانب من هذه العودة، تجد بعض مبرراتها في التقصير، الذي نتبينه في خطابات الحداثيين من الروحانيات ووظائفها، في إشباع حاجيات وتطلعات إنسانية واجتماعية محددة.

نفكر في هذه المسألة، انطلاقاً من مبدأ عام يسلم بصور التمايز القائمة بين روحانية الكنائس والمعابد والمساجد، وروحانيات المكاسب التي وفّرتها الأزمنة الحديثة، ونقصد بذلك مكاسب الثورات المعرفية والتقنية المتواصلة في عالمنا، كما توفرها معطيات أخرى، مستمدة من القيم الجديدة الناشئة في مجتمعاتنا في عالم متغير..

يقف الحداثيون اليوم، أمام مرجعية مركَّبة في موضوع الروحانيات، مرجعية تقطع مع تصوُّرات معينة في موضوع العقائد والإيمان، وأخرى تؤول العقائد بصورة لا تَشَدد فيها ولا قطع، مُحَاوِلَة أَنْسَنَتَها بجعلها أقرب إلى مسائل تتعلق بخصوصيات الآدميين في عالم معقَّد.. الأمر الذي يتيح إمكانية إعادة التفكير بصورة أخرى في موضوع الروح والروحانيات، وذلك في ضوء متغيِّرات درس الفلسفة والعلم والأخلاق في عالمنا، ودون إغفال ما راكمته مباحث تاريخ الأديان وعلوم دراسة المقدس وتوظيفاته في التاريخ..

أفترض أنه يمكننا أن نذهب بعيداً في الاتجاه الذي يروم تركيب روحانيات الحداثة، شريطة أن نعيد النظر في التصوُّرات التي تحصر الروحانيات عادة في مجالي اللاهوت والفلسفة المثالية، أي نتجه لزحزحة الدلالات التي استقرت في قلب رسم مفردة روح، ونحاول بناء بدائلها في ضوء تحوُّلات الفكر والمعرفة في عصرنا، وفي ضوء ما نروم بلوغه من أهداف.

اعتبر “مارسيا إلياد” في كتابه: “تاريخ الأديان” (1989)، أن مجال الروح ليس حكراً على ثقافة بعينها أو عقيدة بعينها، إنه مجال مفتوح على ممكنات في النظر لا حصر لها. وقد كشف في هذا العمل أن الدهريات مُغْرِيَّةٌ وفاتنةٌ، وهي تتجلى في مظاهر عديدة، حيث أصبح بإمكاننا أن نقيم تبادلا خلاقاً بين الدهري والروحي، المتناهي واللامتناهي، الحاضر والغائب، الشك واليقين.. ولم يعد بمقدور الإنسان في ضوء كشوف وتحولات المعرفة المعاصرة، الركون بسهولة إلى نظام في التصوُّرات والمبادئ المغلقة، كما بلورتها العقائد القديمة دينية كانت أم فلسفية.

وإذا كنا نسلم بأن فكر الأنوار داخل المشروع الحداثي، لا يمتلك تصورات دقيقة وواضحة في مسألة الموقف من الدين والعقائد، ومختلف ما يمكن إدراجه في باب الروحانيات، وأن كثيراً من الأدبيات المرتبطة به، تستوعب تصورات عامة وميكانيكية، وأن النصوص الراديكالية في سِجِلِّه رَكَّبَت بدورها تصورات قطعية مماثلة في منطقها لكثير من معطيات اللاهوت، حيث ظل منطق الخلاص متحكماً في الرؤيتين معاً، سواء اتخذ صفة الهرطقة المُعْلَنة، أو رَكَنَ إلى مسلمات العقائد النصية الآمرة والمغلقة، الأمر الذي يدعونا إلى مزيد من النظر في الموضوع، وذلك في ضوء التحوُّلات المعرفية والقيمية الجارية اليوم في عالمنا..

تحمل المبادئ الكبرى للحداثة مواقف نقدية من اللاهوت الطقوسي، إلا أنها تستوعب في الآن نفسه، ما يُمكن إدراجه في أفق الروحانيات المفتوحة والمتسامحة، وليس من حق اللاهوت وحده أن يكون مجالا للسمو والتسامي. إن فضاء الروحانيات في حياة الإنسان أرحب من الوصايا أرضية كانت أم سماوية.

تستوعب التصورات الحداثية كثيرا من المعطيات التي يمكن إدراجها في باب الروحانيات، فنحن عندما نفكر مثلا في موضوع الجمال وسؤال الأخلاق، يمكننا أن نعيد بناء الروحانية لتصبح مفهوما دهريا مرتبطا بأخلاق الحداثة، فنحن نعي جيدا أن الورع الروحي ليس طهرانيا دائما، وهو لا يتضمن بالضرورة الزهد عن الماديات إلا في الأذهان، التي تختزل المفاهيم وتربطها بتصورات ثابتة ومغلقة.

لا نجازف إذا ما اعتبرنا بناء على ما سبق، أن الروحانية تعود في المشروع الحداثي لترادف الدنيوي، وإذا كان اكتشاف المفهوم قد تم في مجال اللغة والتداول، حيث تم رفعه ليقترب من عالم ما فوق العبارة، فإن العبارة تعود اليوم في الرؤية الحدايثة، لاسترجاع ما أنشأت ومُطَابَقَتِهِ مع مجراه الأرضي. إن روحانية الحداثة تبنيها جسور المعرفة والجمال والحرية، وهي تتجه لرد الاعتبار للأمور الحميمية في نظام الأشياء، حيث تتم العناية بنداءات الحياة وإغراءاتها وَصَبَوَاتها.

ساهمت الحداثة في رفع المنزع السحري عن العالم، الأمر الذي  سمح بميلاد الرواية ونشأة العلم الحديث وفتوحاته، كما سمح بالتمييز الخلاق بين الروحي والسياسي بهدف علمنة المجال العام. وضمن هذا الأفق، يمكن أن نرسم الملامح العامة لروحانية يشتغل فيها الإنسان على ذاته وجسده، وأنماط حركته وعيشه، حيث يحضر الجميل والفاتن ليحتلا فضاءات أكبر في مرافق الحياة وفضاءاتها.

عن موقع “ضفاف ثالثة”

شارك برأيك