الوشم يعود ليتحول إلى جسد – اليوم 24

الوشم يعود ليتحول إلى جسد

  • العرب في مهب الريح

  • «20 فبراير» والعمل السياسي

لفتت انتباهي، أثناء إجازتي في أحد الشواطئ، ظاهرة لا عهد لي بها في السابق، يتعلق الأمر بعملية وشم لمختلف زوايا وأطراف الجسد، حيث امتلأت أجساد النساء والرجال، الشباب والشيوخ برسوم وأشكال ملوَّنة، الأمر الذي حَوَّل بعض الأجساد إلى لوحات تختلط فيها الألوان والأشكال. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد لاحظت، أيضاً، انتشار ظاهرة كتابة جُمَلٍ وكلمات فوق أديم الجسد.

وإذا كنا نعرف أن الوشم ظاهرة ثقافية قديمة، وأن قبائل عديدة كانت في الماضي تُمَيِّزُ نفسها عن الآخرين برسوم خاصة، تحفرها في بعض جهات الوجه أو على الصدر أو فوق اليدين، فإن الظاهرة الجديدة لا تتعلق برسوم وأشكال في الوجه أو على المِعْصَم، بل إنها تشير إلى غزو رسوم كثيرة لمختلف أركان الجسد، بما في ذلك الزوايا والمساحات المتصلة بالمناطق الحساسة فيه.

لا شك في أن الناظم المشترك بين الوشم في صوره القديمة، والوشم والكتابة اللذين يكتسحان اليوم الأجساد يتمثل في البعد الثقافي، ذلك أن أجسامنا في مختلف مظاهرها، تُعَدُّ محصلة لشروط عيشنا، وهي تقدم صورة عن أنماط تمثل الأفراد القيمَ السائدة في مجتمعاتهم.

تحولت الشواطئ والمسابح إلى معارض متحركة، صحيح أن كثيراً من الأجسام لا تحمل إلا رسوماً صغيرة، وبعض الأحرف الأولى من أسماء أو كلمات أو حِكَم.. إلا أن أجساماً كثيرة أخرى تحمل أشكالاً عديدة مُوَزَّعَة على الصدر والظهر والعنق وفوق الكتف.. وبصورة تختفي فيها أحياناً أسطح الجسد، لِتَحُلَّ محلها رسوم وكلمات وأشكال.

ترتبط عودة الْوَشْمِ لاكتساح مساحات عديدة في الجسد بتوجه ثقافي يعمل على تطوير وتنويع الأشكال الموشومة، حيث أصبحنا اليوم أمام ظاهرة لافتة للنظر، ليس في الشواطئ والمسابح وقاعات الرياضة، بل في الشوارع أيضاً. ونظراً إلى أن فصل الصيف يسمح بأنواع من اللباس لا تغطي الجسم كاملاً، فقد أصبح المارة يُفَاجَؤون بأوشام مُلَوَّنة على أذْرُعِ وصدورِ المارة وفوق أصابعهم، فتختفي الأذرع أحياناً كما يختفي العنق، لتحل محلها رسوم ملوَّنة.

تقتضي عملية الوخز والحفر أثناء رسم الوشم، وما يرتبط بذلك من آلام، قَبُولَ مبدأ أن ما يُرْسَم على سطح الجلد يترك أمارات يصعب محوها، الأمر الذي يعني أننا أمام عملية تملُّكٍ جديدة للجسد، حيث يتجه المشاركون في وشم أجسامهم إلى نوع من اللعب الإرادي في مناطق عديدة من الجسم. ويمكن أن نُدْرِج المسألة، في النهاية، ضمن محاولة إعادة بناء الجسد في ضوء مواقف وخيارات يتم إعلانها والاغتباط بحصولها.

تحتفي الأجساد الموشومة بأشكال متعدِّدة من النباتات والحيوانات والرموز، من قَبِيل الورود والأشجار، كما تحمل علامات تشير إلى العقارب والفراشات والأسماك والأفاعي، وأخرى تحمل صورَ عيونٍ وشِفَاه، وقلوب وأيدٍ وأزمنة وتواريخ.. وقد تنوَّعت أماكن الوَشْم والكتابة، ولم تترك زاوية من زوايا الجسد إلا ووشِم فيها شكل وحرف وعلامة.. فقد غزا الوَشْم، كما أشرنا آنفاً، الساعد والْمِعْصَم والساق والكتف، كما ملأ الفخذ والظهر والصدر، ولا ندري ماذا تبقى من المساحات في الجسد دون وشم؟

يتم تلوين الوَشْم بالأحمر والأزرق والأخضر والأسود والأبيض والأصفر والْبُنِّيّ. ونظراً إلى الطبيعة الخاصة للجلد، فإن الألوان تتخذ مواصفات خاصة، الأمر الذي جعل الآثار المرسومة تجمع بين التناسق والتشابك والاختلاط.

يرتبط تحوُّل الجسد إلى مُنَمْنَمَات بالنظرة الجديدة التي تتجه الحداثة اليوم إلى تعميمها عن الجسد. إنها ترتبط بالنزعة الفردية وقيمها، حيث يحتل الجسم مكانة خاصة، ويصبح من حق صاحبه أن يعيد بناءه بالشكل الذي يختاره. وضمن هذا السياق، نشير إلى أن العناية القائمة اليوم في عالمنا بالجسم وتحوُّلاته، تندرج ضمن رؤية تعلي من مبدأ العناية ببنيته، عن طريق التغذية والرياضة والرقص… بل والعناية به، أيضاً، بواسطة بعض فنون المخاطرة، مثل تسلق الجبال وممارسة الرياضات العنيفة والرياضات الروحية، مثل التأمل والصمت، حيث تُعَدُّ الممارسات المذكورة بمثابة آليات جديدة لصناعة أجسام بمقاسات ومواصفات خاصة.

تتجه صور العناية الجديدة بالجسد، في ثقافة عصرنا، إلى إبراز جوانب محدَّدة من جمالياته، يمكن أن تفهم في سياق المساعي الهادفة إلى محاصرة أسراره وخباياه، حيث يصبح مظهره الجديد عنواناً لنمط من أنماط الافتتان به.

عن «العربي الجديد»

شارك برأيك