العودة إلى الصفوف الدراسية – اليوم 24

العودة إلى الصفوف الدراسية

  • التباسُ المفاهيم

  • دفاعا عن المدرسة العمومية

قرأت باهتمام المذكرة المُوجَّهة بتاريخ 28 أبريل 2017، من قبل وزارة التربية الوطنية إلى «مديرة ومديري الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين» في المملكة، بخصوص التحضير للدخول المدرسي 2017 ـ 2018، وقد تضمنت مصفوفة من الترتيبات الأساسية الواجب القيام بها ليكون دخول هذا العام «ناجحا ومنطِلقا فعليا في وقته». فهل تم احترام الالتزامات الواردة في المذكرة من قبل الوزارة الوصية، ومن يُمثلها على صعيد الأكاديميات الجهوية؟ وهل تابع المسؤولون توجيهات مذكرتهم، وتأكدوا من سلوكها الطريق السليم، وقيّموا نتائج ما أنجزت أكاديمياته؟ لا نملك موضوعيا أجوبة قطعية عن هذه الأسئلة، لأن ذلك ما يدخل في واجبات الوزارة الوصية، فهي المؤهلة قبل غيرها بإطلاع المواطنين بصدق على ما تمّ إنجازه والقيام به.

لكن بالمقابل، ثمة وعي متزايد بأن تعليمنا ليس بخير، وأن إصلاحه غدا عصِيّاً رغم كل المحاولات، والأموال المرصودة له من جيوب دافعي الضرائب، وأننا نتقهقر إلى الوراء كل عام في مراتب التعليم في العالم، من حيث الفعالية، والنجاعة، والجودة. أما أسباب ذلك فكثيرة ومتعددة، وذات طابع مركب.

فمن زاوية التاريخ، شكل التعليم باستمرار قضية تجاذب واختلاف، والأخطر مثّل منذ عقود حقل تجريب واختبار، ونادرا ما اكتسى بُعدا استراتيجيا وتم تنزيله المنزلة اللائقة به، كقضية مصيرية بالغة الأهمية، والشاهد هنا تعدد المناظرات واللقاءات التي أقيمت من أجل صياغة رؤية لمعالجة حال التعليم بالمغرب. نلمس هذا في العديد من الاختلالات التي طالت التعليم العمومي منذ عقود، من قبيل: المشكلة اللغوية وطبيعة التعامل مع اللغات بشكل عام، حيث عاش المغرب تذبذبا لا حدود له بين التعريب والانفتاح على اللغات الأجنبية (الفرنسية أساسا)، ما كان له الأثر السلبي على مستويات تمكن التلاميذ من اللغات. ويلاحظ المتابعُ للشأن التعليمي بالمغرب، كيف تراجعت اللغات في العقدين الأخيرين، إلى حد فقدَ التلاميذ ممكنات التحكم في لغتهم الأم العربية، فبالأحرى السيطرة على اللغات الأجنبية، وهو ما أضر كثيرا بجودة المخرجات. والحقيقة أن واقع التعليم بالمغرب لا يشكو من حال اللسان فيه، أي اللغة أو اللغات، بل يعاني من فجوات كثيرة، ليست اللغة سوى أحد مظاهرها. فمما يساعد على تفسير هذه الفجوات ضعف الرؤية الناظمة لقضية التعليم وسبل تحقيق جودته وضمان اقتدار وكفاءة مخرجاته. والحال أن رؤية قطاع استراتيجي من حجم التعليم لا يمكن فصلها عن المشروع المجتمعي بكامله. إذ بقدر ما يتوفق مجتمع ما في رسم مشروعه الوطني، والتوافق حول مقوماته وقسماته الكبرى، بالقدر نفسه يستطيع إعداد رؤية حول تعليم أجياله.. فالعلاقة طردية ولا يمكن فصل أو تفكيك حلقاتها الواحدة عن الأخرى.

لاشك أن «المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي» توفق في القيام بتشخيص عميق لحال المدرسة العمومية المغربية ومآلها، وأنه قام بجهد جماعي كبير في صياغة «رؤية استراتيجية لإصلاح التعليم» على مدى زمني مقبول ومفتوح على مراكمة المنجزات وتقييمها من أجل تطويرها نحو الأفضل، لكن هل وضع أصابعه على المكامن الحقيقية لاستعصاء إنجاز عملية الإصلاح والتغيير؟ إن ثمة العديد من المؤشرات  في الواقع المغربي الدالة على استمرار مصادر الاستعصاء في إرادة صناعة سياسات التعليم والقيمين على تنفيذها أولا، وفي نفوس الكثير من الناس المستهدفين من العملية التعليمية والفاعلين فيها. والحقيقة هناك أمثلة كثيرة يمكن استحضارها لتأكيد استمرار هذا الاستعصاء، من قبيل عدم محاسبة المسؤولين عن تنفيذ السياسات العمومية ذات العلاقة بقطاع التعليم، الذين ثبتت في حقهم اتهامات سوء تدبير المال العام، كما هو حال الأموال التي هدرت بدون نتيجة في تطبيق «المخطط الاستعجالي» على سبيل المثال. فعلى الرغم من ثبوت فساد من قبل العديد من المسؤولين في التعليم الثانوي (الأكاديميات)، ومؤسسات التعليم العالي، فقد ظل الفاسدون طلقاء دون مراقبة ولا محاسبة.. إن زرع روح المساءلة والمحاسبة في قطاع التعليم من شأنه إرجاع الصدقية لتدبير شؤون المدرسة العمومية، وفي الواقع هذا مثال واحد من عشرات الأمثلة التي أعاقت إصلاح التعليم بالمغرب وعرضته إلى التراجع المتزايد منذ عقود.

شارك برأيك