زغاريد لتسكين الآلام… – اليوم 24

زغاريد لتسكين الآلام…

  • حزن في عينيك..

  • 300 كلمة لممارسة الصحافة

بسيدي سليمان، بأحياء معطوبة وبئيسة منها، الأعراس تقريبا لا تتوقف على مدار العام. من قلب الأوضاع الصعبة التي تعيشها أحياء بالمدينة والبادية بجلاء في بيوتها المتهالكة وترابها غير المعبد وأزقتها الملوثة وصغارها الحفاة العراة وعمرانها الكئيب والقاتم الذي  تتجاور فيه مطارح النفايات الشعبية، «البركاصات»، مع البيوت والمدارس وأماكن لعب الصغار، تخرج الأعراس لتلعب دور الأقراص المسكنة التي تحافظ على التوازن النفسي للجموع. تصير الأفراح مناسبات خارقة للواقع يتواطؤ الحي بأكمله خلالها على بناء سرد خيالي عجائبي يرى من خلاله أنه يحقق ذاته ويحسّن شروط عيشه بكل عرس يرقص فيه حد الجنون ويصل صداه إلى سيدي قاسم! كل عرس يقترب من حلقة وصل بين البؤساء والمحظوظين. معبر للارتقاء الطبقي يمر فوق طقس جنسي وعاطفي مقدس.

كنتُ كلّما سمعت زغاريد وصلوات على النبي وتسليمات ومزامير ودقات شعبية، سمعتُ أيضا قصصا متشابهة لتلك الأعراس الفخمة والأسطورية بمعيار الساكنة. فلانة تزوجت رجلا غنيا من أسرة ميسورة جدا وستنتقل للعيش معه في فيلا فخمة بالمدينة الفلانية. فلانة تزوجت من تاجر مغربي ثري يقيم في أمريكا ولديه شركة كبيرة بالمدينة وإخوته مسؤولون كبار وأبوه هو الحاج الفلاني، الذي يملك كذا وكذا من الحقول والعقارات. فلانة زوّجت ابنها من بنت فلانة، وهي سليلة أسرة فاحشة الثراء، لكن «الحق يُقال»، ابنها يستحق ولم يعرف عليه أنه طمّاع. القاسم المشترك بين السرود العديدة التي تتوارد على السامع أن الكل يتزوّج من شركاء حياة على درجة غير مسبوقة من الجمال والثراء والحسب والنسب. كل عرس يدخل في حوار ضمني مع العرس الذي سبقه، والموالي يدخل في حوار مع الذي بعده. خيط موصول كل واحد فيه ينتظر فرصته للاقتصاص من الواقع الصعّب بعرس أسطوري بمقاييس مزيفة: شعبية وصيت المغني الذي أحيا الحفل، عدد الأزياء التي ارتدتها العروس، هل حُملت في العمّارية، هل نظم العرس تحت خيمة منصوبة وسط الشارع أم فوق سطح الدار أم في «القاعة». قاعة الأفراح.

حين أرى الظروف العامة الصعبة التي تقف خلف مشاهد التفوّق والتظاهر الخاطفة تلك، أفكر أنه كان بالإمكان الاكتفاء بحفل زواج عائلي مصغر أو موسع –إلى حدود تناسب كل سياق- واستثمار بعض الجهد المالي المبذول في ما يعود بنفع أكبر على العروسين مباشرة. هنا تواجهني تلك القصص السعيدة من جديد. ومن قال لك إن أحدا بحاجة إلى الاكتفاء بحفل مصغر؟ أنسيتَ أن الزوج يملك كذا وكذا من الأموال؟ أو أن أسرة الزوجة، الميسورة جدا، هي من أرادت تنظيم حفل مبهر لابنتها؟ لِم لا تريد أن تقتنع بأن العرس يمثل فعلا ممرّا يغيّر أحوال الحي؟ ربما لو نظمنّا أعراسا أكثر ستصبح أحياؤنا أحياء ثرية وراقية لا تضاهيها أرقى أحياء العاصمة..

لكنّي لا أقتنع. وأحفر وأنقّب في تلك الحكايات المبهرة، فإذا بها تنقلب آلاما ومواجع. الزوج الثري القاطن بأمريكا يستحيل شابا عاديا زار أمريكا مرة واحدة لأن أحد أقربائه البعيدين جدا يقطن فيها، أما هو فيشتغل في مهنة عادية جدا بالكاد تكفيه لسداد حاجياته. استعان بالصورة التي تتمتع بها أمريكا في أذهان سكّان الحي للزواج من فتاة أعجبته. والفيلا الفخمة التي كان يعوّل أن تنتقل إليها العروس لتعيش حياة رغيدة يظهر أنها في الحقيقة فيلا عائلية، وأُم العريس تصر على تحويل الزوجة إلى خادمة.. خادمة أتت بها من حي فقير بعقد عمل غير تقليدي. العريس استثمر صورة الفيلا في المخيال الشعبي ليبرم الصفقة. وهناك من ذهبت إلى الخليج عروسا في مقتبل العمر، ثم صارت أسيرة لبقيّة العمر، تخفي لوعتها بكثير من الماكياج على وجهها وقلبها أيضا.

شارك برأيك