ماذا عن تضارب المصالح؟ – اليوم 24

ماذا عن تضارب المصالح؟

  • لماذا تعدل القوانين؟

  • ما وراء الاعتداء على أستاذ وارزازات؟

حينما نبه الفصل 36 من الدستور إلى أن «القانون يعاقب على المخالفات المتعلقة بحالات تنازع المصالح»، فمعنى ذلك أنه كان يريد تحصين المنافسة الاقتصادية من أي أفضلية لبعض مراكز النفوذ التي يمكن أن تستغل موقعها وقربها من المعلومة لتحقيق امتيازات غير خاضعة للمنافسة الشريفة، بل إن الفقرة الأخيرة من الفصل نفسه كانت واضحة في التشديد على أن «القانون يعاقب على الشطط في استغلال مواقع النفوذ والامتياز، ووضعيات الاحتكار والهيمنة، وباقي الممارسات المخالفة لمبادئ المنافسة الحرة والمشروعة في العلاقات الاقتصادية».

هذا هو المنطوق الدستوري الصريح الذي كان من ثمار مطالب الدينامية الاحتجاجية لـ20 فبراير، والتي طالب فيها المتظاهرون بفصل المال عن السياسة وتوضيح العلاقة بين مجال السلطة ومجال الاقتصاد.

أما الواقع فهو يعج بالكثير من المفارقات التي تؤكد أن تجريم تضارب المصالح، هو مقتضى دستوري معزول عن منطق الواقع، الذي يكشف كل يوم على وقائع جديدة لاستغلال بعض المسؤولين لمواقعهم الإدارية لخدمة مصالح اقتصادية غير مشروعة.  والحقيقة أن هذه المفارقات ما هي سوى انعكاس لأزمة بنيوية عميقة، من الصعب معها تفعيل المبدأ الدستوري القاضي بتجريم تضارب المصالح..  لا بد من الاعتراف بأن الأسباب العميقة لإشكالية تضارب المصالح مرتبطة بدرجة أساسية بنموذج سياسي قائم، جرى التعايش معه منذ بناء دولة ما بعد الاحتلال، وهو نموذج فيه الكثير من «التسامح» و»التساهل» و»التغاضي» عن ظاهرة الجمع بين المصالح المتعارضة، بل تم العمل على مأسسة هذا التضارب في الثقافة السياسية القائمة، وانتقل هذا «التسامح» إلى القوانين التي امتنعت عن التنصيص عن أي جزاءات ردعية بالنسبة إلى حالات تضارب المصالح التي يمكن أن يقع فيها مسؤول عمومي، بما فيها قوانين ما بعد دستور فاتح يوليوز، مثل وضعية أعضاء الحكومة التي نصت المادة 33 من القانون التنظيمي المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها على ضرورة «أن يتوقف أعضاء الحكومة طوال مدة مزاولة مهامهم عن ممارسة أي نشاط مهني أو تجاري في القطاع الخاص..»، دون أن ترتب أي جزاءات ملموسة في حالة المخالفة..

وبغض النظر عن هذه الملاحظة الشكلية، فإن طرق الالتفاف عن هذا النص تظل قائمة والأمثلة على ذلك من الحياة العمومية تحيط بِنَا بشكل فظيع، بل إن عددا من المسؤولين لا يجدون أي حرج في الدفاع عن مصالحهم الاقتصادية الخاصة بشكل مباشر أو غير مباشر، ولا يترددون في التصرف كجماعات ضاغطة على صانع القرار وليس كمسؤولين عموميين، وكثيرا ما عاشت قبة البرلمان الكثير من النقاشات والسجالات السياسية التي تخفي وراءها صراع مصالح مالية، لا علاقة له بخدمة المصالح العامة للمواطنين.

إن إشكالية تنازع المصالح لا يمكن فصلها على النموذج السياسي المتبع، فهي نتيجة طبيعية لنموذج سياسي في الحكم افتقر إلى الكثير من قواعد الحكامة الجيدة، وسمح بالتداخل بين النخب الحاكمة وبين عالم المال والأعمال في إطار شكلي لليبرالية الاقتصادية، وبالاعتماد على شركاء اقتصاديين تقليديين يراعون مصالحهم بالدرجة الأولى، ويعملون على بسط أدواتهم التحكمية على عالم المال والأعمال.

في ظل هذا الوضع تمت الإساءة للاقتصاد وللسياسة معا، فلا الاقتصاد أمكن له أن يتطور في بيئة تنعدم فيها شروط الحرية والمنافسة الاقتصادية، ولا السياسة يمكن لها أن تتطور بسبب هيمنة المال على الشأن السياسي وتزايد أدواره القذرة في شراء ذمم العديد من السياسيين..

رحم الله عبدالرحمان بن خلدون الذي حذرنا قديما من الجاه المفيد للمال

شارك برأيك

مواطن

مقال في محله كما يقال. لكن كان من الأنفع أن تسمى “الأشياء” بمسمياتها : أخنوش، العلمي على سبيل المثال وليس حصرا.

إضافة رد