البام.. كالغريق الإنجليزي – اليوم 24

البام.. كالغريق الإنجليزي

  • دفاعا عن العثماني

  • حسني بنسليمان

الفضائح التي تسيل هذه الأيام من أفواه مؤسسي حزب الأصالة والمعاصرة، بفعل تبادل الاتهامات بين قيادات الصف الأول من الحزب، تطرح معها سؤالا: لماذا أصبح هذا الحزب، دون نظرائه من الأحزاب الإدارية، عصيّا على الضبط، حتى من طرف من أسسوه ونفخوا فيه من أفكارهم وسلطاتهم؟
للجواب عن هذا السؤال يجب العودة إلى أسباب نزول البام في 2008، كرد فعل على استشعار الدولة تمددَ الإسلاميين، في ظل تراجع الفكر والفعل اليساري والديمقراطي، حيث تم التفكير لأول مرة في خلق حزب إداري- إيديولوجي، تم تصيّد أهم أعضائه المؤسسين من يساريين منهكين استسلموا لفكرة أنه لا يمكن مواجهة الإسلاميين الذين يستقوون بالدين إلا باستقواء مماثل بالدولة، كما تمت صياغة اسمه وهويته من فكرتين على طرفي نقيض: “الأصالة” و”المعاصرة” حتى يسع الحزب، أيضا، لمن يقفون على أرضيتين نقيضتين، مثل حالة كل من خديجة الرويسي، التي تدافع عن المثليين جنسيا والمفطرين في رمضان، ومحمد الشيخ بيد الله، الذي كتب في 2009 مقالا كان فيه أكثر شراسة من العدالة والتنمية والعدل والإحسان ضد الحريات الفردية.
فكرة البام التفَّ حولها، في البداية، ثلاثة أصناف من السياسيين: صنف أول مشكَّل من أعيان وأحزاب إدارية اعتادت على تلقي الأوامر من وزارة الداخلية وتنفيذها، مقابل جزاءات انتخابية ومصالحية، ريعية، وهذا اعترف به عبدالله القادري، أحد رؤساء الأحزاب المندمجة في مشروع الأصالة والمعاصرة.
الصنف الثاني مثّلته أقلية آمنت بأن الظروف الإقليمية والمحلية تساعد على اكتساح للإسلاميين غير مفيد للديمقراطية والتعددية، وأن أحزاب الحركة الوطنية بلغت من الضعف والترهل ما لا يسمح لها بمواجهة “الزحف الأخضر”، وهذا الصنف مثله حسن بنعدي أول أمين عام للحزب.
أما الصنف الثالث دخل البام، فيمثله إلياس العماري، وقد كانت تحدوه منذ البداية رغبة في الحصول على “الزبدة وثمن الزبدة”، كما يقول المثل الفرنسي. وممثلو هذا التيار هم جوهر مشكل الحزب الذي يُنذر اليوم بتفكك عُراه، لأنهم بقدر ما يلهثون وراء مصالحهم الضيقة، يُخرجون ترسانتهم الإيديولوجية، التبريرية، لمهاجمة منتقديهم، وتسويغ فداحاتهم المالية والمعنوية بمنطق أن أحسن وسيلة للدفاع هي الهجوم. هؤلاء هم الذين يجعلون الحزب، اليوم، عصيّا على الضبط لأنهم مازالوا يقاومون –عبثا- لإثبات أنهم مناضلون يملكون قرارهم المستقل داخل حزب ديمقراطي.
ما بين 2008 و2017، جرت أسرار كثيرة داخل الصندوق الأسود للبام، وحُكيت أشياء غريبة عن الحزب وقيادييه، بعضها يفوق الخيال، لكن ما لم يعد خافيا هو ما حدث مباشرة بعد استقالة أو إقالة إلياس العماري، وخفوت “التناقض” مع البيجيدي عقب تنحية بنكيران من الحكومة، حيث كان لا بد من أن ينفجر التناقض داخل جسم الأصالة والمعاصرة، فكان من أبرز تمظهراته تبادل الاتهامات بالإثراء غير المشروع، حتى أن النقطة التي أصبحت ثابتة الآن في جدول أعمال المكتب السياسي للبام، هي تبادل الاتهامات.
حزب الأصالة والمعاصرة اليوم، مثل ذلك الغريق الإنجليزي الذي أطل عليه ربان سفينة سائلا: “هل أنت غريق، فأجابه بصوت الواثق: نعم، لماذا”؟

شارك برأيك