جثث الماضي – اليوم 24

جثث الماضي

  • أين أسامة؟

  • Русская мечтa

لا تبدو دائما الانتخابات الجزئية مغرية للباحثين والمتتبعين، ذلك أن المعطيات المحلية تصبح في حالتها أكثر تأثيرا، كما أن الضعف الطبيعي لمستوى التعبئة السياسية الوطنية الذي يرافقها، يجعل من ترتيب “نتائج وخلاصات عامة”، من قراءتها أمرا محفوفا بالمغامرة.

لكن تواتر بعض الملاحظات وتكررها خلال أكثر من اقتراع جزئي، وتوالي هذه الانتخابات خلال مدة قصيرة (لا تتعدى السنة)، يجعل من الممكن إثارة بعض عناصر التحليل.

وهنا لا بد أن نتذكر السياق الوطني المتميز بالشروط السياسية التالية:

–  سيادة خطاب النقد الحاد للأحزاب، خطاب بلغ مداه مع خطاب العرش، ومع تنامي حراك الريف. الدولة والمجتمع كل من جهته، كل بلغته وكلماته، يبدوان منخرطين في بلاغة مناهضة للتجربة الحزبية.

– المآلات الكارثية لمخرجات اقتراع 7 أكتوبر، الذي أفضى إلى حكومة جاءت – في تشكيلها وأغلبيتها- لكي تنتقم من الناخبين المغاربة، ولكي تجعل من “الشرعية الشعبية” و”سلطة صناديق الاقتراع” و”احترام الإرادة العامة”، مجرد كلمات حالمة معلقة على رغبة ومزاج السلطة.

–  كانت السياسة تعني في اقتراعي 2015 و2016، العودة إلى الشعب، الأمل والطموح في تملك الناس لشيء من مصيرهم، لكنها تحولت بعد “البلوكاج” والأغلبية المخدومين، إلى ما كانته دائما أو غالبا: التحكم الفوقي في الشأن العام، والتحالف المقدس بين المال والتقنوقراط والعائلات المخملية برعاية السلطة.

في الخلاصات العامة لهذه الانتخابات الجزئية، يبدو ضعف الإقبال على صناديق الاقتراع، موزعا بين محاولتين تفسيريتين، تتعلق الأولى بالتراجع المهول للسياسة، وبالردة الديمقراطية للبلاد، وبأثر بنكيران (معكوسا هذه المرة). وتتعلق الثانية، بالشرط العام للانتخابات الجزئية، ذات الطبيعة الخاصة على مستوى التعبئة.

لكن الانتباه إلى مقارنة نتائجها مع مخرجات اقتراع الانتخابات العامة للسنة الماضية، لا بد أن يجعلنا نتوقف على فرضية التراجع الانتخابي للعدالة والتنمية.

مؤشرات التراجع واضحة، ذلك أن الحزب الأكثر قوة في المجال الحضري، والذي كان يحظى – تقريبا لوحده داخل خانة الأحزاب الكبيرة- بمنسوب تصويت سياسي واسع، جعله ينتصر في 2015

و2016، على شبكات الأعيان الحضريين بكل أموالهم وفسادهم وعلاقاتهم، أصبح فجأة عاجزا – داخل المدن – عن تجاوز نسب التعبئة التي تصلها الماكينات الانتخابية المدربة.

ما ذا يعني هذا؟

أسباب قوة البيجيدي في الانتخابات الأخيرة العامة، منذ 2011، متعددة وليس هذا مجال إعادة التذكير بها، لكن المهم أنها جعلته يستقطب انتخابيا، فئتين من الناخبين، الأولى ذات طبيعة إيديولوجية /تنظيمية تتكون من ناخبيه التقليديين المرتبطين بعائلته الدعوية والحزبية، المتعددة الأذرع؛ والثانية تتكون من ناخبين ينتمون في “المتوسط التقريبي” إلى الطبقات الوسطى الحضرية، ولا علاقة لهم بالمرجعية الإسلامية لهذا الحزب ولا بخياراته الإيديولوجية، لكنهم نظروا إليه كحزب منظم ومستقل ويقدم عموما نموذجا في نظافة اليد، ويشكل بديلا مقبولا إذا قورن بالآخرين، حيث حتما يوجد هناك سياسيون محترمون، لكن وسط كثير من “اللصوص” و”البلطجية” و”الشلاهبية” و”الصلاكط” الذين يملؤون المشهد، والأكثر من هذا أنه – بدا – كما لو أن بإمكانه أن يقود مشروعا إصلاحيا وديمقراطيا وتخليقيا، تركته الأحزاب الوطنية في قارعة الطريق.

أتصور أن كثيرا من ناخبي الفئة الثانية لن يخالجهم الحماس السابق نفسه، الذي دعاهم إلى التصويت على حزب، أصيب على حين غرة بـ”فوبيا” أو رُهاب الأماكن المزدحمة  (agoraphobia)، وأصبح يحن إلى ما كانه في البداية طائفة أو جماعة إسلامية، عوض أن يقدم على مغامرة إعادة صياغة بناء مشروع وطني ديمقراطي وإدماجي، وهو ما كان يعني الكثير من التضحية الإيديولوجية.

البيجيدي حزب سياسي غير مستثنى من قواعد السياسة وقوانينها، وإحدى هذه القوانين هي القابلية للتراجع، والأحزاب التي تتغذى بالتصويت السياسي هي الأكثر – فيما بعد – تأثرا بالعقاب السياسي والانتخابي .

طبعا، لا أحد يمكنه القول إن مصير هذا الحزب قد يكون اقترب من نهاية وشيكة، فهو لا يزال يتوفر على عديد من عناصر القوة السياسية والتنظيمية مقارنة بأشباه الأحزاب الأخرى.

ثم إن القاعدة الأساسية للسياسة في هذه البلاد: أن لا أحد ينتهي تماما، ولا شيء يولد جديدا تماما!

فهذه بلاد يحكمها الموتى من قبورهم، والأشباح هم من يتولى مهمة تحديثها بكل اطمئنان، وجثث الماضي هي من يحرس داخلها عبورنا المؤجل إلى المستقبل.

“هنا يتغير كل شيء من أجل ألا يتغير أي شيء”، كما قال “جون واتربوري” قبل أكثر من أربعة عقود.

 

شارك برأيك