الإغراق في الشفافية – اليوم 24

الإغراق في الشفافية

  • الكِتابُ يُحرر

  • ديكتاتورية الفردانية وديكتاتورية السوق

تسير العديد من القضايا الجارية، في مجالات كثيرة، في اتجاه اشتغلت عليه بطريقة رائعة السلسلة الإنجليزية “Black Mirrir”، التي تذهب بمجموعة من التوجهات العميقة نحو المجتمع إلى أقصاها. وأذكر هنا بالخصوص حلقتين تستلهمان أفكار التيار “التسريعي” (accélérationniste)، الذي يقوم على مبدأ ينص على ضرورة السير نحو الأسوأ للتخلص من عالمنا هذا، وتعبيد السبل لميلاد واحد آخر جديد. في إحدى الحلقتين، يتوفر كل واحد على الوسائل الضرورية لتسجيل واستحضار كل ما يشهدون. وفي الحلقة الأخرى، يعطي كل واحد تصنيفا معينا للآخرين، وهو ما يحدد المنتجات التي يمكنهم الوصول إليها، وكذا مناصب الشغل والتمويلات التي يمكنهم الاستفادة منها، بل وحتى العلاقات التي يمكنهم ربطها.
تلك الوسائل المخصصة للتسجيل، وتلك المعطيات كانت في بادئ الأمر، تبدو صالحة لحل العديد من المشاكل، قبل أن تحول حياة كل سكان تلك العوالم الخيالية إلى جحيم حقيقي.
والحال أن الواقع ليس بعيدا جدا عن هاتين الحكايتين المريرتين. الحكاية الأولى تكتسب شرعية جديدة مع سلسلة وقائع التحرش والاعتداءات الجنسية التي تظهر تباعا. فلا شيء يبدو أفضل من التسجيل الدائم لأي تواصل مع الآخرين، لتجنب حالات التحرش أو الاعتداء الجنسي، أو لإثباتها بالدليل والبرهان، أو لتبرئة أولئك الذين قد يتهمون خطأ بارتكابها. والواقع أن رجال الأمن، في بعض البلدان، مجبرون، أثناء العمل، على حمل كاميرا دقيقة في أعناقهم تسجل كل أفعالهم، لتفادي الشطط في استعمال السلطة أو أي محاولة للارتشاء.
يمكننا أن نتخيل (وهذا سيصبح واقعا عما قريب)، كاميرا دقيقة يمكن إخفاؤها في قلادة أو سلسلة يمكن للنساء والرجال، على حد سواء، حملها. فوجودها وهي تسجل كل الصور والأصوات – سواء كان حقيقة أو مجرد خدعة- سيكون رادعا للجميع. بل يمكن للمرء أن يشتبه في كون من لا يحملها يضمر شرا.
أما الحكاية المأساوية الثانية، فتجد شرعية جديدة في المطالب المتنامية والملحة للباعة، والمستهلكين، والمشغلين، والمصرفيين، وأصحاب التأمينات، والأطباء، والمدرسين، ورجال الأمن، والقضاة، والأزواج. فكل هؤلاء – أو تقريبا كلهم- شرعوا في اللجوء إلى جمع المعطيات والتنصيف في تواصلهم. فهذا النظام يساعد على زرع ثقة أكبر في حالات التواصل اللاحقة. ولن يحتاج الأمر سوى إلى أمور بسيطة لجمع تلك البيانات الخاصة ودمجها لتصبح موحدة تحدد نظرة المجتمع إلى كل واحد من أعضائه.
ستصبح أي محاولة للاختباء خلف هوية مجهولة أو رفض حمل كاميرا دقيقة مصدرا للشك والريبة. إن التسجيلات وجمع المعلومات سيخلقان الثقة، وبما أن التواصل والتبادل يستحيل في غياب الثقة، فإن المجتمع سيدير نفسه بشكل أفضل. ولكن، وكما يحدث في سلسلة “Black Mirror”، فإن هذا الإفراط الجماعي في تسجيل كل شيء سيفضي سريعا إلى الجحيم: فكل واحد سيصبحا أسيرا لماضيه، في أدق وأتفه تفاصيله؛ وسيكون على كل واحد أن يعجب الآخرين باستمرار؛ ولن يكون بمقدور أي أحد خرق القواعد القائمة. وبإمكاننا أن نتخيل بسهولة كيف يمكن أن تستغل الأجهزة المرتبطة بالنت أو الذكاء الاصطناعي هذا الوضع.
مازال الوقت أمامنا لنقبل هذا التطور بكل رزانة وتعقل، أو التصدي له، وتحديد قواعد سلوك تحمي في الآن ذاته الحياة الخاصة وسلامة التبادلات، من أي نوع كانت. مثلا، يمكن الاحتفاظ بتلك المعطيات والصور للقضاء، في حالة محددة بدقة.
هذا مشكل آخر بالإمكان معالجته بجدية مادام الوضع لم يبلغ بعد مرحلة الاستعجال.

ترجمة مبارك مرابط عن “ليكسبريس”

شارك برأيك