الأمير.. – اليوم 24

الأمير..

  • حين تدور وتُسعِد..

  • رمزية الإعفاء بين المصباح والكتاب..

“وعلى الأمير أن يخشى شيئين: الرعايا والقوى الأجنبية” نيكولا ميكيافيلي

هز ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، أركان منظومة الحكم السعودية، نهاية الأسبوع الماضي، وشغل الإعلام العالمي والرأي العام الداخلي والخارجي بحملة تطهير غير مسبوقة نفذها في حق عِلية وأكابر القوم. أطاح الأمير المثير للجدل برؤوس مؤثرة في أعلى الهرم السياسي والاجتماعي ثراء ونفوذا، مزعزعا التوزيع التقليدي للسلطة والمناصب داخل فروع الأسرة الحاكمة. جرى كل شيء بسرعة. تعرض الكل لما يشبه صدمة الضوء. مشهد صادم ومذهل ومحيّر تماما. ماذا يريد الأمير؟ هل يبحث فعلا عن تطهير البلاد من الفساد بادئا من أعلى ليؤكد صدق مراميه؟ أيبحث عن تعزيز نفوذه وشوكته؟ هل بلغت ثقة الأمير في حليفه الأمريكي مبلغا يجعله يقوم بحركتين بالغتي الخطورة في آن واحد؟ في الداخل اعتقالات بالجملة، وفي الخارج إذكاء نار المواجهة مع إيران في لبنان، الذي ظلت ساحته محل هدنة..
فلم تكد تمر ساعات قليلة بعد إعلان تشكيلها السبت الماضي، حتى أصدرت “اللجنة العليا لمكافحة الفساد” قرارات اعتقال في حق 11 أميرا من الأسرة الحاكمة ووزراء حاليين وزراء سابقين بالمملكة ورجال أعمال بارزين. من ضمن الأسماء الموقوفة على ذمة التحقيق أو المُقالة: الملياردير الوليد بن طلال، وزير الحرس الوطني الأمير متعب بن عبدالله، وبكر بن لادن رئيس مجلس إدارة مجموعة بن لادن للبناء. الأمير، الذي يرأس اللجنة، يواجه كل هؤلاء بتهم تشمل الرشوة والاختلاس وغسل الأموال واستغلال النفوذ. راجت أخبار عن طائرات خاصة لرجال أعمال تم إجبارها على النزول وهي تحلق في الجو بعدما ركبها أصحابها طمعا في الهروب من السلاح الفتاك الجديد (اللجنة)، الذي صار بين يدي ولي العهد بصلاحيات مرعبة (الاعتقال/ مصادرة الأموال). في اليوم ذاته، سيعلن رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري، من الرياض، استقالته من منصبه، بذريعة أن حياته مستهدفة من طرف إيران وحزب الله. وهي استقالة ظلت موضع شك في لبنان.
فمنذ تولي والده سدة الحكم في 2015، أطلق الأمير، الذي تلقبه الصحافة الغربية بـ”إم بي إس (MBS)”، مشاريع في مختلف المجالات واعدا بإحداث قطيعة مع نموذج اقتصادي ريعي ظل مسيطرا لعقود، وثقافة دينية متزمتة، عبر رؤية معالمها الكبرى، تشجيع ثقافة العمل، وتأهيل الشباب، ودمج النساء في الحياة العامة، وتشجيع الإسلام المعتدل، وفسح المجال للحرية والترفيه والأعمال الفنية ومحاسبة المقصرين.
هل تدخل القرارات الجديدة ضمن هذه الرؤية؟ هل التنسيق شبه المعلن في المواقف الإسرائيلية-السعودية في مواجهة إيران وامتداداتها، خيار استراتيجي سليم؟ ألا يُجمل بالأمير مراجعة التدخل السعودي في اليمن وقراره قطع العلاقات مع قطر والتصعيد مع إيران؟ هل الحفلات الغنائية والأفلام والعروض المسرحية والتظاهرات الفنية هي التي ستدخل السعودية طور الحداثة الذي طال انتظاره؟ هل هناك بلاد تدخل الحداثة عنوة؟ وماذا عن الدعاة والمفكرين المعتقلين بلا تهم جلية ولا أسباب واضحة منذ شتنبر الماضي؟ والأهم: هل السرعة التي يسير بها محمد بن سلمان وسط هذه الحقول الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المحفوفة بالمخاطر في مملكة عرف عنها التأني، والإغراق في المحافظة سرعة طبيعية؟
الأمير الشاب لا يبدو منشغلا بهذه الأسئلة والمخاوف. الولايات المتحدة تشير على الأمير وتراقب نتائج استشاراتها مثلما يراقب خبراء المختبرات حقل تجارب. منطلقات الأمير مبنية على إزاحة المعارضة والوجوه والأصوات الأقل ولاء والتغيير الجذري السريع وتركيز السلطة في يد “القائد المخلص”. وهذه منطلقات لا تَعِد بنتائج واعدة ديمقراطيا..

شارك برأيك