حين تدور وتُسعِد.. – اليوم 24

حين تدور وتُسعِد..

  • الفراعنة الجدد

  • الفراعنة الجدد

تقاطرت على حسابي في “واتساب”، مساء السبت الماضي وطيلة اليوم الموالي، تسجيلات صوتية في طيّها زغاريد، وصور مركبة لأسود في ملعب تكسوه الثلوج، وأخرى لأسود تنقض على الفيلة، وبطاقات معايدة من تلك التي يتبادلها الناس في المناسبات والأعياد الدينية، وتبريكات وتهاني. الكل سعيد بتأهل المنتخب الوطني في كرة القدم إلى كأس العالم الذي سينظم بروسيا صيف العام المقبل. الشعوب تحتفل بكرة القدم بجنون مفرط. تروي هذه اللعبة حاجة ملحة للتفوق والغلبة والريادة في أنفس الجماهير. كلما كانت الدولة ممعنة في بعدها عن مصاف الرقي والتقدم والريادة، كانت تعبيرات الفرح فيها أوغل في الغرابة والهوس والجنون. وكلما كانت أقرب إلى تلك المصاف، كانت تعبيرات الفرح أعقل وأهدأ. أما إن كانت في صدارة الأمم فقد تغيب تلك الحاجة إلى نجاح بديل تماما. أو قد يكون حضورها من عدمه سيان. الولايات المتحدة الأمريكية لا تحقق إنجازات كبيرة في كرة القدم، ولا أحد يكترث (لا أحد يكترث بالمعنى المجازي طبعا، وليس بالمعنى الإحصائي). بل حتى في اللعبة الأكثر شعبية داخلها، روكبي، توجد في المرتبة 17 في تصنيف منتخبات الروكبي تتفوق عليها جزيرة مغمورة جنوب المحيط الهادي، ولا من يبالي.
لكن هنا نبالي بهذا الإنجاز. ونرفع الحدث الكروي إلى مرتبة عيد شعبي ومنهل للفرح نعبّ من مائه دون توقف. لأن القلوب عطشى إلى كل ما يُسعد. كأن البلاد بأسرها تلقت جرعة “دوبامين” عملاقة يوم السبت الماضي. دخلت في احتفال وطني بِعيد لا يخضع للرسميات ولا تغلب فيه الشعارات الإنجازات، والنوايا الأعمال. عيد قوته في الصفات التي تعطي للفوز قيمة عالية، تماما كما تعطي للخسارة نكهة مرة: شدة المنافسة، علنية المباراة، شفافية التحكيم، حيادية التنظيم، الفوز للأفضل، لا للأغنى أو الأكثر سلطة أو جاه وقرابة بالمنظمين.
ثم الكرة كانت دائما لعبة الشعب. تكتسب شعبيتها من الفقراء والعامّة أكثر ممّا تكتسبها من الأغنياء والخاصّة. النخب تحب الغولف والبوكير وسباق السيارات والقفز الحر من المظلات والرهانات والمسايفة والشطرنج وكرة القدم أيضا. أما الجموع فتحب كرة القدم أولا، وكل ما يلُعب بالكرة ثانيا! ثم ربما السباحة، أو الرياضات القتالية، وبعض الألعاب الأولمبية، ومن بعيد جدا، على سبيل الاستعجاب، ألعاب الأثرياء والنخب تلك.
وفي وقت بدأت الجماهير تدرس منذ الآن فرص عبور الأسود للدور الأول من الإقصائيات، وتضع تشكيلتها المثالية لخوص المنافسة العالمية، وتتشاغل بهذا الفرح الوليد عن سلاسل الأحزان التي تطوّقها، قد تجد صنفا آخر من النخب مستاءً من جرعة “الدوبامين” هذه التي تأتي من الملاعب والمقاهي، عوض أن تأتي من عائدات النمو وارتفاع الأجور وازدياد فرص الشغل وتطوير خدمات التعليم والصحة. وأجد أنه استياء يعوزه الدليل.
البلاد حيثما نجحت فتلك فاتحة خير، والمنتخب ظل يخفق 19 عاما في بلوغ المونديال دون أن يجعل ذلك البلد ينتج السعادة خارج أسوار الكرة. والكرة حين تدور بين المنتخبات الأولى يكون لها أثر موحد وجامع. المغرب اليوم، يشارك في تمثيل إفريقيا والدول العربية في المونديال. ويوم السبت احتفل الجزائري والتونسي والعراقي والفلسطيني بتأهل المغرب. فلربما تذكّر الكرة الشعوب بأن بعضها من بعض، بعدما قطّعت السياسة أوصالها..

شارك برأيك