“هذا ليس غليونا”.. – اليوم 24

“هذا ليس غليونا”..

  • الإسلاميون وأفق الإصلاح…

  • توزيع الفقر وتكريس المهانة..

في الوقت الذي كانت فيه الأستاذة التي تعرضت لاعتداء من تلميذ فتح جرحا في خدّها – وفي قلبها وقلوبنا أيضا- تتلقى زيارات ودعوات بالشفاء العاجل ورسائل تضامن وتعاطف، اختارت طائفة من وسائل الإعلام إجراء استفتاء حول سيرتها وسلوكها في المؤسسة. ارتأت قيادة استطلاع رأي عاجل حول شعبيتها وسمعتها وصورتها، ولم تجد لاستفتائها هذا من وقت أو سياق إلا اللحظة بالذات التي سقطت فيها المعنية بالأمر ضحية اعتداء خاطف. بعض الفيديوهات كانت تحاول تمرير رسالة وضيعة، لا تحتاج إلى نباهة كبيرة لالتقاطها، مفادها أن “الأستاذة” بقدر معيّن، في عيون معينة، بشكل من الأشكال، “تستحق ما جرى لها”!. هذه مصيبة قطاعية أخرى تجتاح الإعلام، ضعوها جنبا إلى جنب مع مصائب التعليم. هذا اسمه تزييف الوعي وخلط الأمور على الناس والتلاعب بمشاعر المشاهد والدفع باتجاه بناء مواقف مختلة ومتوحشة تغذي ذهنية الانتقام والتشفي، وتعطل قدرة الفرد على بناء أحكام و”رأي” (خاص/عام) عاقل وحكيم. رأي يتجنب تأليب الرأي العام على هذا الطرف أو الآخر.
طبعا، من حق الإعلام أن يسأل عن تفاصيل الحادث لمعرفة نوع الخبر الذي ينقله للمتلقي وسياقه وأسبابه ودوافعه ويستبق بمعية خبراء تأثيراته وانعكاساته، من حقه أن يتتبع جذور مشكلة العنف التي تجتاح المدارس، وله أن يسأل المعنيين المباشرين بها أساتذة وتلامذة وخبراء في المجال، لكن بشرط أن يبقى في حدود مناقشة الظاهرة بتجرد، وأن يبقى مطلبه الفهم والمساهمة في البحث عن حلول صادقة، بعيدا عن الممارسات الإعلامية الاختزالية والمشوهة الفارغة من شيم وآداب المهنة.
أتذكر تمرير إحدى القنوات، عقب اعتداء مماثل سابق، تصريحا لتلاميذ وهم يقولون بنزق بيّن إن التلميذ الذي اعتدى على أستاذه بوارزازات صار “بطلنا وفخرنا الجماعي!” نِقاشي هنا ليس قانونيا، وإنما أخلاقيا. هل يجوز تمرير هذا التصريح وتصريحات على منواله بذريعة نقل ردود فعل على خبر؟ بمعنى آخر، لو وُجِد شخص يساند الاعتداء والتعنيف وحل المشاكل مع الأساتذة والمجتمع برمّته بـ”النصوصا” و”البونية” و”خزيت”. هل أعتبر هذا رأيا يجب نقله وتعميمه ومنحه مساحة إعلامية مهمة وعاجلة، أم أعتبره تصريحا لا يستحق النشر لأن شروط الرأي الواجب عليّ كصحافي نقلهُ وتبليغه بأمانه، لا تتوفّر فيه أصلا؟
لمن يقول إن الأمر لا يتعلق بكل هذه الأبعاد و”التفلسف الخطابي”، وإنما بعمل إعلامي بسيط يقوم على متابعة خبر ونقل ردود فعل عليه صوتا وصورة إلى المتلقي دون خلفيات، علما أن الخبر وردود الفعل عليه مستقاة من الواقع أصلا، ثم يتركُ بعدها لمن يشاهد أن يبني موقفه بشأنه، أرد عليه بأن الأمر ليس بكل هذه البساطة.
يعتبر عالم الاجتماع المختص في الدراسات الثقافية “ستيوارت هول” أن الإعلام ‘يبني’ تمثلات الفرد عن الواقع لبنة لبنة. أي إن الواقعة شيء، وما وصلك عنها شيء ثان، مستقل عنها (بناء). الصورة أو النص أو التعليق الذي يصلك، قبل أن يصلك، يدخل معمل الصناعة الثقافية ويُعجن جيدا قبل أن يخرج إليك في صدر الصفحة الأولى من جريدة أو، والحالة هذه، شريط فيديو. هناك لوحة شهيرة للفنان السوريالي البلجيكي ريني “فرانسوا مارغيت” توضح الفكرة. يظهر في اللوحة الفنية رسم لغليون (Pipe)، مع تعليق صغير في الأسفل هو، أيضا، جزء من اللوحة يقول “هذا ليس غليونا”!

شارك برأيك

laafouman

إشارة جميلة لقضية تشع قبحا…
إن الموضوعية في وسائل الإعلام ظلت إشكالية مطروحة ردحا من الزمان قبل أن تكشف السلطة الرابعة أن “طرف الخبز” ليس مع الموضوعية في شيء وإنما مع “صحاب الحال”…
أما الطامة الكبرى الحالية فهي الفوضى الحاصلة في مجال الإعلام حيث من فتح مدونة مهما قزمت يعتبر نفسه من أساطين الإعلام …
أما موضوع الأخلاقيات فقد أسمعت حيا لكن لا حياة لمن تنادي

إضافة رد