عذرا سيدي رئيس الحكومة – اليوم 24

عذرا سيدي رئيس الحكومة

  • المحكمة الدستورية والبروتوكول

  • وكلاء الدولة وليس الملك

“إذ السياسة المدنية هي تدبير المنزل أو المدينة يجب بمقتضى الأخلاق والحكمة”
عبدالرحمان بن محمد بن خلدون

فوجئت خلال الجلسة الشهرية بمجلس النواب الثلاثاء الماضي، حين كنتم تعقبون على أسئلة نواب الأمة، وأنتم تصرحون بأن ليس هناك أزمة في المغرب.
ورغم صدمتي من هذا الموقف الجازم، والذي يدحضه الواقع أمام إشكاليات سياسية واقتصادية جد معقدة يعيشها المغرب، لا تجد لها حلا وأنت رئيس الحكومة إلا عندما تختزل قضاياها في تكوين لجنة.
لذلك، فعندما نحصي كم لجنة تخلقها، أو كم لجنة وزارية ترأسها، أو كم لجنة بين وزارية تدبر شؤونها، نخال أن حكومتكم تحولت إلى حكومة اللجان، علما أن المبدأ العام مع الأسف، هو أن أي موضوع نريد إعدامه نخلق له لجنة، لذلك أخشى أن مشروعكم السياسي ينتهي هو، كذلك، بلجنة يعلم الله متى تظهر نتائجها.
السيد رئيس الحكومة، حين قلتم بأن المغرب لا يعيش أزمة، أثارني كثيرا هذا الموقف الحاسم، خاصة حين ربطتموها بمبدأ المسؤولية، في حين كان من الحكمة سوء الظن بالاقتصاد وبالواقع وبالهدوء الذي يسبق الزوابع، وأعتقد أن من المسؤولية أن يدق السياسي جرس الإنذار قبل وقوع الكارثة، (لأنه على السياسي أن يفكر كثيرا قبل أن يصمت)، كما يقول أحد المفكرين الكبار.
يبدو أن أحدنا لا يستوعب كثيرا الواقع، إما أنا بحجمي الصغير، أو أنتم بحجمكم الحكومي الكبير، ولكن كل ما أعرفه هو أنه حين يفجع المغاربة في 15 امرأة مغربية، فذلك مؤشر على وجود أزمة ما. وعندما يخرج آلاف المعطلين إلى الشوارع للاحتجاج على الحكومة، فهناك أزمة ما. وعندما يعفي ملك البلاد وزراء من مسؤوليتهم نتيجة اختلالات تدبيرية أقرتها تحقيقات مؤسسات دستورية، فهناك أزمة ما. وعندما يحرق المواطنون أجسادهم بالنار احتجاجا على الظلم في أكثر من مشهد وأكثر من مدينة، فهناك أزمة ما. وعندما تتراكم الديون الخارجية على البلاد، فهناك أزمة ما. وعندما تعجز الحكومة عن أداء ديونها العمومية الداخلية، فهناك أزمة ما. وعندما يعجز رئيس الحكومة عن خلق لجنة من الكتاب العامين للوزارات، فهناك أزمة. وعندما يعتقل شباب الريف فقط، لأنهم طالبوا بحقوق اجتماعية دفاعا عن الكرامة واتهامهم بالانفصال، فهناك أزمة ما. ولما أصبحت الأسلحة النارية تستعمل في قتل الشباب الأبرياء وخيرة أبناء الوطن والذين لا ذنب لهم، فهناك أزمة ما. وعندما يعجز رئيس الحكومة في التواصل مع الناس بمبرر أن حكومته هي “حكومة الإنصات والإنجاز” أي على المغاربة أن ينتظروا ولا يناقشوا فهناك أزمة ما. وحين تتهمون جهة بالتصرف في أموال عمومية في مجال التعليم مع عجزكم عن القيام بتحقيقات ومتابعات وأنتم المؤتمنون على حماية المال العام، أي ترتكبون فعل خيانة الأمانة، فهناك أزمة ما.
سيدي رئيس الحكومة، إنكم مهما رددتم من خطاب حتى تخفوا واقع الأزمة، فهي ظاهرة بوضوح من خلال خطابكم السياسي الغارق في الجزئيات والتبريرات، والممزوج بعقلية الاتهامات للغير. إذ قبل دخولكم الحكومة كان خطابكم أن العالم كله أسود وأنتم من يحملون المصباح، وحين تموقعتم في الحكومة انتقل خطابكم من خطاب الأزمة إلى أزمة الخطاب. تقرون اليوم، خلاف ما رفعتم كشعارات بالأمس، فحين كنتم خارج الحكومة، كانت الأزمة في خطابكم واضحة ناتجة عن الفساد، وعن سوء التدبير، وعن انعدام الرؤيا، وغيرها من جمل الأزمة التي جعلتموها سلما لبلوغ قمة السلطة. والآن، حين انتقلتم إلى مواقع السلطة تتنكرون لذلك الخطاب وتنكرون معه وجود الأزمة، كأن نور المصباح لم يعد له جدوى أمام نور إنجازاتكم النابعة عن خلق اللجان، بل تعتبرون من يتحدث عن الأزمة بأنه مواطن عديم المسؤولية وليس وطنيا، وهل كنتم كذلك حين كنتم في المعارضة، أم تناسيتم خطابكم آنذاك؟
يبدو أننا سننتقل من أزمة الاقتصاد وأزمة السياسة إلى أزمة أفظع، وهي أزمة الأخلاق، بحيث غياب الأجوبة جعلكم تنكرون وجود الأزمة أصلا، وكم من حاجة قضيناها بتركها، أو بإنكارها.
لذلك اسمحوا لي السيد رئيس الحكومة – وأنا لا أنصحكم احتراما لمقامكم-: إن كل الأزمات التي تحدثنا عنها قد تكون عابرة، إلا أزمة المصداقية والنزاهة، فهي أزمة أخلاق، والأمم الأخلاق ما بقيت، وغياب الأخلاق يفتح باب جهنم لتصرفات لا تليق بمن يحترم نفسه، أو كما قال الكثير من مقربيكم طيلة الأسبوع الماضي بكون “قمة غياب الأخلاق وبداية انهيار النزاهة، هي طعن الصديق والزعيم من الخلف”.

شارك برأيك