“شكرا على المشاركة”! – اليوم 24

“شكرا على المشاركة”!

  • “الأرض ليست لأحد!”

  • “النسر وعيون المدينة”

تاريخ المملكة دائري، يعيد نفسه بشكل كاريكاتوري. عبدالإله بنكيران، هو رئيس الحكومة الثالث الذي يرميه المخزن في “المزبلة” بعد “الاستعمال”، بتواطؤ مع إخوانه في الحزب. الرجل دخل بكامل عنفوانه إلى رئاسة الحكومة وخرج منها جثة سياسية، لم يتردد الإخوان في دفنها، رغم أنها مازالت تنضح بالحياة. زعيم “العدالة والتنمية” أخرج من رئاسة الحكومة لأنه أزعج سكان “الطابق العلوي”، وها هم إخوانه يستعدون لـ”رميه” خارج الحزب، حفاظا على الغنائم والحقائب والكراسي.
ما أشبه اليوم بالبارحة. المشهد ذاته يتكرر بسيناريوهات مختلفة. سياسي محترم يدخل باستقبال “ملكي”، ويخرج بملامح رجل مطرود: عبدالله إبراهيم عام 1960، وعبدالرحمان اليوسفي عام 2002، وعبدالإله بنكيران عام 2017. سياسيون نزيهون حملتهم مصداقيتهم إلى مراكز القرار، ولعبوا دورا حاسما في تهدئة الشارع وضمان الاستقرار خلال لحظات حرجة من تاريخ البلاد، قبل أن يتخلى عنهم القصر، بمجرد ما استتب الوضع ولم يعد ميزان القوى في صالحهم، وعندما فتشوا عن دعم الحزب، لم يتردد “الإخوان” في الإجهاز عليهم بطرق مختلفة. حين دخلوا إلى المشور السعيد، اعتقدوا أنهم لن يغادروا القصر أبدا، لكن الأحداث تسارعت أمامهم ووجدوا أنفسهم ذات يوم خارج اللعبة. مرت عليهم لحظات توهموا أنهم أمسكوا بزمام الأمور، وكسبوا ثقة القصر، ونسوا تلك الحكمة المغربية المأثورة: “ما تّيقش فلعافية والبحر والمخزن…”.
الشخصيات نفسها والحبكة ذاتها والدراماتورجيا نفسها، والديكور مختلف حسب العقود. عام 1960 أُقيل عبدالله إبراهيم من منصبه كرئيس للمجلس الحكومي، رغم الإنجازات الجبارة التي حققتها حكومته في وقت وجيز: تنقية الإدارة والأمن من بقايا الاستعمار، وإقرار الدرهم، وإطلاق أهم أوراش مغرب الاستقلال… إنجازات لم تشفع له في البقاء على رأس الحكومة، بعدما أضعفته ضربات الخصوم وخيانة الأصدقاء. تحالف ضده ورثة المعمرين وبورجوازية حزب “الاستقلال”، الذين أفزعتهم سياسته الاشتراكية وخياراته الوطنية. أُسقطت حكومة عبدالله إبراهيم، واستلم محمد الخامس بنفسه رئاسة المجلس، قبل أن يموت ويترك البلاد في صراع دموي، استمر أكثر من ثلاثة عقود، صارت تعرف اليوم بـ “سنوات الجمر”.
عام 1997، دخل عبدالرحمان اليوسفي القصر كي يطوي صفحة الصراع بين اليسار والملكية. تشكلت حكومة “التناوب” وانتقل الحكم بسلاسة من الحسن الثاني إلى محمد السادس. أظهر المعارض السابق مرونة كبيرة في التعايش مع “المخزن”، ونظم حفل شاي لتوديع إدريس البصري، أمام ذهول رفاقه. وفي الوقت الذي كان الوزير الأول يتهيأ لتسريع وتيرة الإصلاحات، بعدما فاز حزبه بانتخابات 2002، استقبله الملك ربع ساعة في مراكش وقال له: “شكرا على المشاركة”… وسط صدمة المناصرين وشماتة الحاقدين. ومثل عبدالله إبراهيم، خرج اليوسفي من السياسة ليستريح في التاريخ، فيما بقي حزبه مشاركا في الحكومة، بعدما قايض المبادئ بالحقائب و”الصاكاضويات”، إلى أن تعرض للانقراض.
كأننا في تراجيديا إغريقية، حيث الأبطال يعرفون مصيرهم مسبقا ويتقدمون إلى حتفهم بثبات. الضربة التي تعرض لها عبدالله إبراهيم أدخلته في عزلة إلى آخر حياته، واللسعة التي أصابت اليوسفي دفعته إلى خطاب بروكسل الشهير، قبل أن يغادر “الاتحاد الاشتراكي” ويخلد إلى الصمت. وها هو بنكيران يشرب من الكأس ذاتها، وينضم إلى القائمة. المهندس الذي أدخل الإسلاميين إلى اللعبة السياسية، ولعب دورا حاسما في احتواء النسخة المغربية من “الربيع العربي”، يجري إخراجه من المشهد عبر سيناريو متكامل الحلقات، بدأ في الحكومة وينتهي في الحزب.
ولعل خلاصة تاريخنا السياسي الحديث هو أن “المخزن” مثل الأفعى، لسعاته مسمومة ويجدد جلده. وفي كل حزب يوجد أكثر من يهوذا، وأكثر من ابن عرفة، مستعدون للمشي على جثث رفاقهم من أجل حقيبة أو كرسي!

شارك برأيك

مواطن و ليس رعية

يتكرر المشهد ﻹن المخزن ﻻ يتغير و ﻻ يمكن أن يتغير. لهذا مسؤلية إعادة نفس السيناريو ترجع بالدرجة الأولى إلى الطرف الوارد الذي لم تعرضه تجارب من سبقه. وهذا ينطبق باﻷخص على السيد بنكيران الذي راهن على كسب رضاء المخزن.

إضافة رد