محنة ابن رشد في الشماعية – اليوم 24

محنة ابن رشد في الشماعية

  • جمال بدومة يكتب: تيفيناغ ليس قرآنا!

  • جمال بودومة يكتب: «بيعة» و «شرية» !

بعد تسعة قرون على حرق كتبه في قرطبة، تعرض ابن رشد إلى محنة جديدة، في الشماعية هذه المرة، غير بعيد عن مراكش. الخبر الذي تداولته بعض الصحف، يفيد أن مدير إحدى الثانويات منع عرض فيلم “المصير” ليوسف شاهين، الذي يسرد سيرة الفيلسوف الأندلسي، أبو الوليد بن رشد، لأنه “لا يتماشى مع خصوصيات المنطقة”. ولا نعرف أي خصوصيات تتميز بها منطقة الشماعية عن بقية المغرب، ما عدا أشجار الزيتون وتربية البهائم!
فيلم “المصير” الذي يصور محنة صاحب “تهافت التهافت” مع التكفيريين، الذين حرضوا عليه السلطان يعقوب المنصور الموحدي في القرن الثاني عشر الميلادي، لقي مصيرا سيئا في الشماعية، ولم تنفع جهود الجمعية الثقافية التي برمجت الشريط لفائدة التلاميذ في إقناع المدير بعرض الفيلم…
مع الأسف، الرجل الذي يمارس المنع والتحريم في مؤسسة تابعة لوزارة التربية الوطنية ليس حالة معزولة. الثانويات المغربية تعج بأشخاص متخصصين في نشر الجهل والتكفير و”التكلاخ” و”التضبيع”، أساتذة ومديرون وحراس عامون، يبثون أفكارا سوداء في الفصول الدراسية بدل القيام بالمهام التربوية التي يتقاضون مقابلها رواتبهم. وعلى السلطات المعنية ألا تتساهل مع من يزرعون بذور التطرف وسط الأجيال الجديدة، مثلما زرعها آخرون في رؤوس أجيال سبقتهم، ورأينا النتيجة.
وزارة التربية الوطنية مطالبة باتخاذ إجراءات تأديبية في حق هذا المدير، إذا ثبت المنسوب إليه، لأن محاربة التطرف أولوية أمنية، خصوصا في المؤسسات التربوية.

بعيدا عن الشماعية، يمكن أن نسجل بارتياح بأن التحريض والتكفير والفتاوى الطائشة تراجعت وتيرتها في السنوات الأخيرة، لعدة أسباب، أهمها أن “العدالة والتنمية” وجناحه الدعوي “الإصلاح والتوحيد”، خففوا من المعارك التي دأبوا على شنها باسم الدفاع عن القيم والدين والأخلاق الحميدة.

بعدما وضعوا أيديهم في “العصيدة”، أصبح “إخوان” العثماني أكثر نضجا ومسؤولية في التعامل مع الحريات الفردية والجماعية، بالرغم من بعض المعارك المعزولة التي تندلع من حين لآخر، من طرف أولئك الذين سماهم عبدالإله بنكيران بـ”المداويخ”. لم يعد التحريض باسم الأخلاق والتكفير باسم الدين، رياضة شعبية، بل مجرد حالات فردية. ساهمت في ذلك الحرب التي شنتها الدولة على السلفيين الجهاديين بعد تفجيرات ماي 2003، والضربة الموجعة التي تعرض لها التيار الإسلامي المتشدد على يد “داعش”، التي دفعت بالإيديولوجية التكفيرية إلى أقصاها، ورأى الجميع أين يمكن أن يوصل التطرف الذي يبدأ بخطبة حماسية أو فتوى طائشة وينتهي برؤوس مقطوعة وبلدان مخربة.

بعدما شغلتهم الحقائب وفتنتهم السلطة، لم يعد إسلاميو “العدالة والتنمية” يولون اهتماما كبيرا للتحريض ضد الأفلام
ومحاربة المهرجانات والدعوة إلى منع الكتب وغسل الإبداع بـ”جافيل” و”ساني كروا” للحصول على “فن نظيف”. ألهتهم حروب أخرى، ضد “التحكم” و”العفاريت والتماسيح” وإلياس العمري، وبين “تيار الاستوزار” وأنصار بنكيران، وأدركوا أن الأمور أكثر تعقيدا مما كانت تبدو لهم وهم جالسون في كراسي المعارضة المريحة. حرب المهرجانات وضعت أوزارها، ولم نعد نسمع تلك الخطب النارية ضد “موازين”، الذي كان يوصف بمهرجان “الفسق” و”المجون”، حيث “تبذر أموال الشعب”، بل إن الصفة الوزارية لبعض “الإخوان” باتت تضطرهم إلى دعم وحضور عدد من المناسبات الفنية، التي كانوا يقولون فيها “ما لم يقله مالك في الخمر”، ولكل مقام مقال. النزعة البراغماتية انتصرت على الإيديولوجية المحافظة، التي كانت تتحكم في مواقف “العدالة والتنمية” وذراعه الدعوي، “الإصلاح والتوحيد”، وبدل أن يغير إخوان سعد الدين العثماني المجتمع، غيروا ما بأنفسهم، كي يتماشوا مع متطلبات المرحلة. نحن بعيدون عن تلك الحروب التي شنتها المرحومة “التجديد” ضد فيلم “ماروك” لليلى المراكشي وقصة “محاولة عيش” لمحمد زفزاف والسجالات الساخنة مع المغفور لها “نيشان”… والقائمة طويلة. السلطة تغير الإنسان، لحسن الحظ أحيانا. لأن المغاربة تعاقدوا حول دستور يسير البلاد ولديهم قوانين ومؤسسات، وليسوا في حاجة إلى شرطة تراقب القيم أو درك يحرس الأخلاق أو مدير ثانوية يصادر “المصير”.

شارك برأيك