في وداع هارولد ديمسيتز – اليوم 24

في وداع هارولد ديمسيتز

  • فلسفات رشيد بوطيب الصغيرة

  • معجزة اقتصادية في قلب إفريقيا

يوم 4 يناير 2019 انطفأ الاقتصادي الأمريكي هارولد ديمسيتز (1930-2019) عن عمر يناهز 88 عاما. كان ديمسيتز أستاذا مرموقا للاقتصاد في جامعات عدة، وعلى رأسها جامعة كاليفورنيا (لوس أنجليس)، وزميلا أول في الجمعية الاقتصاية الأمريكية، وعضوا في الأكاديمية الأمريكية للعلوم والفنون، وعضوا في جمعية مون بيلران، التي تشكل ناديا للمفكرين والاقتصاديين الليبراليين الكلاسيكيين عبر العالم.
بدأ ديمسيتز نشر أعماله منذ نهاية ستينيات القرن الماضي، لكن أهم مقال نشره كان حول: «الإنتاج وتكاليف المعلومات والتنظيم الاقتصادي» (1972)، ومقاله الآخر الأكثر أهمية: «نحو نظرية لحقوق الملكية» (1967)، وكان في ذلك التاريخ أستاذا في جامعة شيكاغو، مركز الاقتصاديين المدافعين عن السوق الحرة غير المقيدة.
لقد سعى ديمسيتز من خلال ذلك المقال إلى وضع معالم نظرية خاصة لحقوق الملكية، حتى أن الجزء الأول من المقال خصص كاملا لتعريف حقوق الملكية، فيما خصص جزء ثان لدراسة الوضعيات التي تنبثق فيها هذه الحقوق، وخصص الجزء الأخير لدراسة بنيتها. ويعد هذا المقال الأول من نوعه، في محاولة لتأسيس نظرية متكاملة خاصة لحقوق الملكية.
لم يبدأ النقاش حول أهمية حقوق الملكية الفردية مع ديمسيتز، بل قبله بعدة قرون. ولم تبدأ الحضارة الإنسانية في التقدم والتطور إلا لما صان الإنسان حقوقه الثلاثة الأساسية؛ وهي الحق في الحرية والحق في الحياة والحق في الملكية. وإن أُعطي للحقين الأولين اهتمام كبير من طرف الفلاسفة والمفكرين على مر التاريخ، فإن الحق في الملكية تم التعامل معه بقليل من التجاهل. حتى ظهر الفلاسفة التجريبيون البريطانيون الكبار «جون لوك» و»ديفيد هيوم» و»آدم سميث» وأتباعهم اللاحقون.
لقد أقر «جون لوك» (1632-1704) مثلا بشكل واضح أن «كل شخص يتمتع بملكية ذاته، ولا ينازعه في هذا الحق أي شخص آخر. وثمرة عمل جسده وصنع يديه، تعد من ممتلكاته.»، وبعده أكد «ديفيد هيوم» (1711-1776) أن «الملكية العامة خربت الأرض من خلال الاستخدام المفرط؛ لأن أحدًا لا يحقق استفادة تجارية من الحفاظ عليها على الأمد البعيد»، والحل يكمن في تحويل الأملاك العامة إلى ملكيات خاصة، لأن رعاية الأفراد هي وحدها الأقدر على حماية الملكيات وصيانتها واستغلالها بالطريقة الأمثل. أما «آدم سميث» (1723-1790) أب الاقتصاد الحر، فقد قام بمقارنة فريدة بين الإنسان الحيوان، وأقر أن ما يميز الإنسان حقا عن الحيوان إنما هو التملك، ففي نظره، «لم يسبق أن رأى أحد حيوانًا يشرح لحيوان آخر بحركاته وصيحاته الطبيعية أن هذا الشيء ملكي وأن ذاك ملكك؛ وأنني مستعد لمنحك هذا مقابل ذاك».
أما من بين الأفكار العجيبة التي وردت في هذا الشأن، فهي ما ذكره «جون كينيث غالبريث» في تأريخه للفكر الاقتصادي عن قول أرسطو «كم تكون السعادة أكبر عندما يشعر شخص ما أن شيئا ما هو ملك خاص له»، وهذا يؤكد أن حب الإنسان للتملك أثار انتباه المعلم الأول منذ زمن بعيد.
وطوال قرن من الزمن جربت مجتمعات إلغاء هذا الحق الفردي الأصيل، وتحويل الملكيات الفردية إلى ملكيات عامة، ووضعها تحت إشراف بيروقراطيات وسياسيين، لكنها فشلت، بل جلبت لنفسها الفقر والبؤس والانهيار الاقتصادي. ومؤخرا، رأينا كيف أن دولة كوبا، آخر دولة من ذلك المعسكر غيرت خلال شهر غشت 2018 الماضي دستورها كي تقر لأول مرة بحق الملكية الخاصة لمواطنيها، وهو استسلام لقانون طبيعي لا يمكن إلغاؤه.
أما المؤسف في سيرة ديمسيتز، فهو أنه لم ينل تكريما من أكاديمية «نوبل»، مقابل إسهاماته الكبيرة في النظرية الاقتصادية، وهذا يعد من بين أخطائها الفادحة.

 

شارك برأيك