مغرب المعجزات! – اليوم 24

مغرب المعجزات!

  • مقالب الذاكرة

  • حبا في علي أمْ كرها في معاوية؟

 

«التقواس» ثروة وطنية لا تُقدر بثمن، ما يشبه قنبلة نووية تقليدية، لا نحسن استغلالها مع الأسف، بدل أن نستعملها ضد الأعداء نقصف بها بعضنا البعض. آخر من ضربهم المغاربة بـ»النووي»، دون أن يرف لهم جفن، هو مهدي منيار، الشاب الملقب بـ»الأستاذ المعجزة»، الذي ظهر على عدد من وسائل التواصل الحديثة والقديمة، يتباهى بنجاحاته الخارقة في مجال الدروس الخصوصية، مستعرضا ما ربحه من نقود وسيارات، واستيقظ في الغد على بيان من وزارة التربية الوطنية يعلن تشميع كل الفصول التي يجمع فيها مئات التلاميذ ويلقنهم دروسه العجيبة في الدار البيضاء والمحمدية والرباط وحد السوالم والجديدة، مقابل ثروة محترمة في نهاية الشهر.

ورغم أن وزارة التربية الوطنية بررت إغلاق هذه «المعاهد»  بغياب التراخيص، فإن الضربة في الحقيقة جاءته من ملايين «القواسة»، الذين شاهدوه على وسائل التواصل الاجتماعي يلعب بالأوراق النقدية و»يفوح» عليهم بسياراته. «البرگاگة» و»الحضّاية» كانوا يعرفون أن الصفعة آتية لا ريب فيها، مادام آلاف المدرسين يفنون أعمارهم مع «الساعات الإضافية» ولا يستطيعون حتى شراء «موطور 103»، في الوقت الذي يتباهى فيه منيار بـ»باركينگ» من السيارات الفخمة تبدأ بـ»الكات كات» وتنتهي بـ»الديكابوتابل»! وإذا كان من معجزة في القضية، فهي أن يحول شاب في العشرين من عمره «مدرسة أبولو» و»مدرسة الديوان» و»معاهدة فيرساي» و»من هو لوك؟» و»من هو شوبنهاور؟»… إلى دجاجات تبيض ذهبا!

لا يسع الواحد إلا أن يتأسف للأضرار الجانبية التي ترتبت عن إغلاق «معاهد منيار»، خصوصا أن ذلك تسبب في قطع أرزاق عدد من العائلات، لكن المؤكد أن شهرة «الأستاذ المعجزة» تكشف الحضيض الذي وصلت إليه المنظومة التعليمية في المغرب. الشاب وجد في تراجع المدرسة العمومية مناسبة ذهبية كي يطلق تجارة مربحة، تستمد قوتها من شخصيته الطموحة، ومن وسطه الشعبي الذي جعله يعرف كيف يخاطب الطبقات الفقيرة، ومن السعر الذي يقترحه (250 درهما شهريا لتعليم ثلاث مواد)، ناهيك عن الترويج الاستعراضي لدروسه على شبكات التواصل الاجتماعي. التلاميذ الذين يقبلون على فصوله هم أبناء الفقراء، الذين لا يستطيعون الذهاب إلى مؤسسات أخرى، لأنهم لا يتوفرون على الإمكانيات اللازمة، والرجل لم يكتف بجني الأرباح، بل أصبح يتفاخر بثروته ويقدم نفسه كأنه يملك قدرات خارقة، علما أن من يطّلع على بعض الفيديوهات الترويجية يكشتف ثغرات لغوية ومعرفية فظيعة، وتجمعات أقرب إلى «الحلقة» منها إلى الدروس!

الحقيقة أيضا، أنني تعاطفت مع الشاب عندما رأيته يبكي بحرقة على إغلاق «معاهده»، وقضيت وقتا محترما أتابع الفيديوهات والمقابلات التي أُجريت معه. شاهدته واقفا على الطاولة وهو يلقن حشدا من التلاميذ دروس المقرر بطريقة ببغاوية، كما سمعته يشرح لطلابه بعض المفاهيم، ويتوسع في استنباط العبر، ورأيته ينفح طلابه كثيرا من الأوراق المالية «على سبيل التحفيز»… وفي النهاية خرجت بخلاصة دامغة: الشاب أقرب منه إلى مشعوذ يستغل إفلاس المدرسة العمومية كي يطلق «بيعة وشرية» منه إلى رجل تعليم يملك منهجا مبتكرا أو طريقة استثنائية في التدريس، كما يدّعي. بل إنه يرتكب أخطاء فظيعة، تدل على المستنقع الذي وصل إليه التعليم في المغرب. في أحد الفيديوهات الترويجية، يظهر على طاولة وسط حشد غفير من التلاميذ يلقنهم درسا في التاريخ ويقول لهم: خلفتِ الحربِ العالميةِ… الفاعل مجرور بكسرة الجهل والضحالة!

كمن عنده مريض بالسرطان ويريد أن يداويه بالأعشاب. هل بالحفظ الببغاوي، المطرز بالأخطاء النحوية، لمقررات متجاوزة عن «مدرسة أبولو» و»مدرسة الديوان» و»معاهدة فيرساي»… يمكن أن تصنع شخصا جاهزا للتنافس في المعاهد العليا والدخول إلى سوق الشغل؟ ولنفترض أن هؤلاء الشباب نجحوا بفضل هذه الدروس، وحصلوا على معدلات عالية في الباكالوريا، أين سيذهبون؟ إلى شعب الأداب والتاريخ والجغرافيا والدراسات الإسلامية، كي ينضموا في النهاية إلى جحافل العاطلين، بعد أربع سنوات أو أكثر، والأوفر حظا بينهم سيصبح مثل منيار!

قبل سنوات، فضح دجّال اسمه مكي الصخيرات انهيار الخدمات الصحية في المغرب، وها هو «الأستاذ المعجزة» يعري سوأة المنظومة التعليمية في المملكة. عندما تكثر المعجزات وتنتصر الشعوذة على العلم، اعرف أن البلاد تسير على رأسها!

شارك برأيك