اقرأ! – اليوم 24

اقرأ!

  • جمال بودومة يكتب: «الحرب الباردة»

  • جمال بودومة يكتب: «لا يُمْكن»!

عندما كنا مراهقين، أُصبنا نحن أيضا بشغف القراءة، لكننا لم نكن نعثر على ما نطالعه. كان الطلب يفوق العرض بكثير. غالبية البيوت لا تتوفر على مكتبة، الخزانات التي تصنع عند النجار تستعمل لجمع الملابس  وأواني المطبخ، وما تبقى من مساحة يحتلها ذلك الاختراع المغربي الخطير: «السداري». وإذا ما تسلل الكتاب إلى الدار، يكون مكانه الطبيعي في محفظة التلميذ، أو على مكتبه، إذا سمح حظه السعيد بالتوفر على مكتب، ماعدا القرآن الكريم الذي لم يكن يخلو منه بيت، وكان يوضع غالبا في مكان محترم قرب التلفزيون. التلفزيون بالأبيض والأسود، يبدأ في السادسة مساء وينتهي في منتصف الليل، في الساعات الطويلة المتبقية، يمكن أن تتسلى بمشاهدة حبات لا متناهية على الشاشة لونها رمادي. كان الملل يعيث فسادا في حياتنا الرتيبة، ويدفعنا إلى الاختباء في رواية، بدل مشاهدة «التشاش». كنا نقرأ أي شيء تقع عليه أيدينا في تلك السنوات الشحيحة: الحصن الحصين، كود دولاروت، كاغط ديال الزريعة، توصيل الكهرباء… المهم أن نشفي عطشنا إلى الحروف. لم نكن نعرف كيف نحصل على كتب جديدة. كنا نسرق «روايات  عبير» من حقائب أخواتنا البنات، ونتجرأ على فيكتور هوغو وإيميل زولا بين أغراض إخوتنا الكبار، ونستعير «زومبلا» و»كيوي» و»بليك» و»راهان» من بائع «الزريعة»، ونتبادل قصص عطية الأبراشي مع زملائنا في الإعدادية، التي لم تكن تتوفر على خزانة. «بنت قاطع الخشب»، «الملك العادل»، «الأنف العجيب»، «الأبناء جواهر الأم»، «الصياد المسكين»، «الأميرة الحسناء»…. قصص حفظناها عن طهر قلب. أما مكتبة «إلى الربيع» وسط المدينة، فقد كان يخيم الخريف على أروقتها، باستثناء الجرائد وعدد محدود جدا من العناوين التي تتبخر بسرعة، ناهيك عن سعرها الذي لم يكن في متناول ميزانياتنا الحقيرة.

لا أعرف كيف اكتشفت أن هناك خزانة بلدية وسط المدينة، مليئة بأمهات الكتب، في وقت كنت أتطلع للتعرف على آبائها وأبنائها وعماتها وخالاتها وكل أفراد القبيلة. كان الحدث تاريخيا. يكفي أن تتسجل في المكتبة كي تأخذ ما شئت من العناوين. كانني عثرت على كنز. التسجيل يقضي بأن تدفع عشرين درهماً مع خمس صور فوتوغرافية ونسختين من عقد الازدياد وثلاث نسخ مطابقة الأصل من البطاقة الوطنية وشهادة السكنى وخمسة أظرفة متنبرة.. كأنك ستحصل على «الباسبور». لم يزعجني الأمر كثيرا، لأن بطاقة الانخراط كانت فعلا جواز سفر يتيح لك التنقل بين عشرات الكتب الأدبية والفكرية والدواوين الشعرية والروايات بالعربية والفرنسية، مما يجعلك تطير بعيدا على كوكب الأرض، في زمن كانت فيه المسافة مهولة بين المدن والبلدان والقارات، قبل ان تتقلص تدريجيا مع ميلاد البارابول والإنترنيت ووسائل التواصل الاجتماعي. كنا ثلاثة منخرطين في الخزانة البلدية: أستاذ وطالب جامعي وعبد ربه. أعتقد أن شروط التسجيل المعقدة هي ما كان يثني الناس عن ارتياد الخزانة، لأن الفضول المعرفي لم يكن ينقص أبناء المدينة. كانت الكتابة الأكثر انتشارا في المغرب هي كتابة التقارير. في تلك السنوات الصعبة، كان المواطن يخاف من إعطاء معلومات عنه إلى السلطة، معظم الناس لا يقصدون الإدارة إلا مكرهين. من عاش في مغرب الحسن الثاني يتذكر كيف كان الحصول على «الكارت ناسيونال» اختبارا رهيبا بالنسبة إلى المراهقين المجبرين على استخراجها لاجتياز الباكالوريا. نتحدث طبعا عن أبناء الطبقات الشعبية، الذين لا يملكون «ركيزة» في الرباط، وليس عن أبناء «الذوات» الذين كان «الشيفور» يأتيهم بكل الوثائق الإدارية إلى البيت! كان الذهاب إلى الكوميسارية لوضع البصمات يشبه الوقوف أمام المحكمة بتهمة «المس بأمن الدولة». كثير من التلاميذ يصابون بالإسهال قبل الموعد، وكانت الأساطير تحكى عن فظاظة رجال الأمن المكلفين باستقبال طالبي البطاقة الوطنية. بعض المراهقين يتعرضون للصفع فقط، لأنهم لم يفهموا ما قاله الشرطي، أو لم يجلسوا في المكان الذي طُلب منهم أن ينتظروا فيه… في سنوات الجمر، كان يكفي أن ترى شرطيا حتى تشعر بالتوجس والانقباض، رغم أنك لم تفعل شيئا يخالف القانون. السجون كانت مليئة بالأبرياء، ولن ينزعج أحد إذا أضافوا واحدا للمجموعة. حتى الأطفال كانوا يعدلون من مشيتهم عندما يلمحون شرطيا يمر ويصطنعون الجدية. السلطة كانت تمارس إرهابا حقيقيا على الصغار والكبار. بفضل الخزانة البلدية، أصبحت أسافر خارج الحدود. أزور أصقاعا بعيدة، وألتقي مع أناس لا يمكن العثور عليهم في هذه المدينة المنسية وسط الثلوج. قرأت عشرات الدواوين والروايات والكتب الفكرية، أحيانا لم أكن أفهم شيئا، لكنني كنت أكمل الكتاب بنهم إلى آخر صفحة، وكلما أنهيت كتابا أحس أنني تحولت إلى شخص آخر.

ذات يوم، علقوا على باب الخزانة البلدية إعلانا للعموم، يقول إن شروط التسجيل تغيرت: المقابل المالي ارتفع من عشرين إلى مائة درهم، وأصبح من الواجب دفع خمسة دراهم مقابل كل كتاب تتم استعارته. جريمة حقيقية في حق ثلاثة منخرطين. لا شك أن من اتخذ القرار كان يريد إجتثات القراءة من جذورها… وأعتقد أنه نجح!

شارك برأيك