لمَ يجب أن نشعر بالرهبة من الـRNI – اليوم 24

لمَ يجب أن نشعر بالرهبة من الـRNI

  • منير أبو المعالي

    يوم الملك

  • منير أبو المعالي

    منير أبو المعالي يكتب.. ثكنة المطافئ

إذا طُلب منك أن تقدم تعريفا فوريا لحزب التجمع الوطني للأحرار، فإنك ستصاب، لا محالة، بالحيرة. لكن ذلك يجب ألا يُبعد عن ذهنك حقيقة جزافية؛ المال يصنع النجاح، في الحياة الشخصية كما في السياسة.

الحزب لايزال كما كان قبل أربعين عاما، شيئا رماديا يترنح بين كينونته حزبا سياسيا وبين صيرورته مقاولة مناولة. لذلك، من الطبيعي أن يشعرك بالضجر. كلما سعى بعض قادته إلى التصرف وكأنهم يملكون بين أيديهم حزبا، تلقوا الصفعة الموجعة على الوجه. أحمد عصمان تكفل به إدريس البصري، ومصطفى المنصوري أصيب بصدمة كهربائية من لدن فريق وزرائه. كلاهما حاول قول «لا»، وقد ذهبا إلى حال سبيلهما، فيما بقي الحزب مستمرا في عدم قول «لا». ولمَ قد يصلح التجمع الوطني للأحرار إن قال «لا»؟!

المعضلة ليست كون التجمع الوطني للأحرار حزبا سائلا، لا يمنح جمهوره أكثر من ملخصات خبرة محتملة، مثل ما تفعل مكاتب الاستشارات عادة، ثم يتلقى التنويه على ذلك. إن المشكلة الرئيسة في هذا الحزب هي قدرته الفائقة على مقاومة عوامل اندثاره؛ لهذا، يشعر منافسوه دوما بالقلق من ذلك. أُسس الحزب الوطني الديمقراطي لكي يكون شاهد قبر التجمع الوطني للأحرار عام 1981، لكن جنازة الـPND شُيّعت قبل عشر سنوات دون أن يجزع أحد. في 2009، كنّا نميل إلى القول إن الطبيعة السياسية لا تقبل وجود حزبين من النوع ذاته؛ لا بد أن «يقتل» أحدهما الثاني كما يحدث في الأساطير. غير أننا حصلنا على الاثنين دفعة واحدة في نهاية المطاف، بل إننا كنّا إزاء وضع ليس بجديد على كل حال، حيث استمر الأصالة والمعاصرة في معركته الطويلة في لكم التجمع الوطني للأحرار، قبل أن يصبح هو كيس الطحين الذي يتلقى الضربات.

عندما حصل التجمع على مقاعده السبعة والثلاثين في 2016، كانت الاستيهامات قد بلغت أوجها حول النهاية المتوقعة لحزب إداري عمّر طويلا. لكن، من كان يتوقع أن يحدث نقيض ما تعنيه تلك المقاعد المعدودة؟ نجح الأحرار في التكيف مع التقلبات السياسية، ليس لأن بأيديهم عصا سحرية، وإنما لأن هناك يدا تنقذهم دوما. الطريقة التي تُضخ فيها المقويات في جسد الأحرار، في كل مرة أنهكته فيها الضربات، تجعل الناس يفقدون حس الإدراك السليم إزاءه.

لكن ما هو أهم من كل ذلك، هو الطريقة التي يدرك بها أعضاؤه أنفسهم. هذه تفاصيل تحتاج إلى تنقيب علمي، لكن هناك ما يكفينا من المعطيات للحصول على أجوبة تقريبية. الوصفة سهلة؛ إن الحزب قد شكل شبكة معقدة من المصالح الداخلية تجعل العضو النشيط وسطها يستفيد، دون شك، من حصة أرباح. لقد تعرفت إلى الكثير من أعضاء هذا الحزب الذين بدؤوا عضويتهم بهندسة ثاقبة لما يريدون تحقيقه، وقد نجحوا كلهم في الوصول إلى أهدافهم. الأشخاص المناسبون لك، إن كنت شابا طموحا تريد أن تحقق لنفسك شيئا، يوجدون بغزارة في التجمع الوطني للأحرار. ليس لأن هناك توزيعا داخليا للثروة في هذا الحزب الغني بأعضائه فاحشي الثراء، لكنها المنهجية نفسها التي تجعل من الريع أسلوب إدارة حزب. بعض الأشياء لم تتغير حتى بعد أربعين عاما.

ليس مستغربا، إذن، ألا تكون للتجمع الوطني للأحرار خطط مبتكرة لاستمالة أعضاء كثيرين. يحقق الأعيان المحليون الاكتفاء الذاتي، ولا يحتاج الحزب إلى أكثر من بضعة أفراد لإدارة العمليات بين الفينة والأخرى، ويصرفون على ذلك أموالا طائلة. سيفشل هذا الحزب يوم يُغرق نفسه في جيش المنخرطين، كما فعل حزب الأصالة والمعاصرة. الأحرار لم يعولوا يوما على المنخرطين الذين يتحولون بشكل تدريجي إلى مناضلين، بل يكتفون بالحشود التي تميل رؤوسها وفقا لأهواء قائدها.

حزب مثل هذا يمكن التعويل عليه. لماذا؟ لأن حزب العدالة والتنمية لا يفهمه سوى بالطريقة التي يريد الأحرار أنفسهم أن يفهمهم العامة بها، أي كأشخاص أقوياء، غير عابئين بالميكانيزيمات التقليدية لعمل الأحزاب. وبفضل بعض الدعاية التي يقدمها الإسلاميون لهذا الحزب بمهاجمته باستمرار، سيكون من الصعب علينا التيقن من ألا تتحول 37 إلى 137 بعد سنتين.

إنه لمن المثير للسخرية أن نحاول تفكيك حزب كالأحرار باستعمال المنهجية التي نستخدمها مع أحزاب أخرى. لذلك، يجب ألا تخدعنا الاستثمارات الهامشية في المشروع الإيديولوجي أو التنظيمي لهذا الحزب، لأن ذلك ليس مهما عند تقديم الحساب الأخير.

إن الحجة الأخيرة، والمناسبة على كل حال، هي مهاجمة نتائج الجمع بين المال والسياسة. لكن، ألا يمكن الحؤول دون ذلك بواسطة إعمال أدوات مراقبة فعالة؟ أكثر العمليات المريبة بهذا الخصوص، وكان المتهمون فيها أعضاء التجمع الوطني للأحرار، حدثت تحت مراقبة البيجيدي نفسه. وهم، رغم كل شيء، مازالوا متشبثين به.

الخطأ الوحيد الذي وقع فيه حزب الأصالة والمعاصرة كان هو محاولة زحزحة بساط الريح الذي يحمل البيجيدي من تحت أقدامه، أي مرجعيته الدينية، ولقد تحمل بسبب ذلك أضرارا قاسية. التجمع الوطني للأحرار لا يفعل ذلك. في صراع المرجعيات يخسر الجميع تقريبا أمام البيجيدي، حيث لا اليمين لديه شيء يقدمه باستثناء المزايدات، ولا اليسار يمكنه أن يفعل شيئا في زمن أفوله.

يقف الأحرار في الوسط، دون أي مرجعية، وفي أيديهم أكياس من المال مستعدين لصرفها ذات اليمين وذات الشمال لهدف واحد؛ جعل أنفسهم أداة ملساء للدولة لا يطاولها الصدأ. وإن تصرفوا على هذا النحو وحدهم، مثل ما يفعل الممثلون البارعون في مسرحية إيمائية، فبإمكانهم أن يحققوا بعض النتائج الجيدة.

إذا كنت تشعر بالرهبة من المشكلة التي يخلقها الأحرار في الوقت الحالي، فاعلم أنك مازلت تفكر بشكل طبيعي. إن هؤلاء الذين سنحصل عليهم بعد سنتين ليسوا سوى الفاتورة الكاملة التي يجب أن ندفعها مقابل كل ما حصل منذ 2011.

شارك برأيك