الإعلام بين الصدق والحياد – اليوم 24

الإعلام بين الصدق والحياد

  • فايسبوك سيغموند فرويد!

  • ليلة سقوط الباكالوريا

يستطيع الإعلام تحويل بعض القضايا العادلة إلى قضايا خلافية، إلى مثار جدل. تتكاثف زوايا النظر للقضية ويتعدد المتدخلون في مسارها حتى يصير الفصل فيها مسألة لا يفكها إلا الفلاسفة أو المنجمّون. فللظالم في القضية رأيه ومنطقه وظروفه وأفكاره، وها هي كلها تزاحم صرخة المظلوم. ثم هناك سياق وأحداث وظروف عامة وخاصة ومساطر وإجراءات تحيط بهذه القضية لا يجب تغافلها. وهناك قوانين وفصول. وهناك أمثلة «للظلم» التي تصير بتدخل الإعلام وتلاعبه بالكلمات «أمثلة لحالات مشابهة». وعبارة «حالات مشابهة» مختلفة عن عبارة «حالات ظلم». وهنا يطرح سؤال عريض: كيف يمكن لنساء ورجال الإعلام التعامل مع مثل هذه القضايا. القضايا التي يميّز الصحافي الطرف الظالم فيها من  المظلوم، لكنه يتعرض لضغط شديد من جماعات مصالح ونفوذ تتسلّل إلى ضميره من باب «التزام الحياد».

أنقل جوابا عن هذا الإشكال من كلام الإعلاميّة الأمريكية كريستيان أمانبور. أمانبور مذيعة لامعة تجر وراءها رصيدا زاخرا من التغطيات الميدانية بمناطق النزاع والحروب والخلافات وتعد واحدة من الوجوه البارزة لقناة «سي إن إن»، خاصة خدمتها الخاصة بالأخبار الدولية (تختلف عن النسخة الموجهة للداخل الأمريكي). في حوار قصير مع الإعلامي والكوميدي الأمريكي تريفور نوّا (أو نوح)، سألها عن رأيها عن هذه المسألة الدقيقة بالضبط، أي تصوّرها لمسألة الحياد في الإعلام.

هذا كان جوابها: «خبرتي الطويلة في هذا المجال (الإعلام)، جعلتني أخرج بخلاصة مفادها أن على الصحافي أن يكون صادقا وليس محايدا (Truthful, not neutral). الصدق يعني أن تكون صادقا في نقل الخبر، أما الحياد فقد يؤدي بك إلى إحداث توازن مُزيّف بين هذه الجهة والجهة الأخرى. فأحيانا، تجد الحقائق مع جهة، وأمور أخرى لا علاقة لها بالحقائق مع الجهة الأخرى، ولا يمكن أن تنقلهما على أنهما رأي ورأي آخر».

أمانبور تعلّمت هذا الدرس من تغطيتها لحرب البوسنة. وتقول بهذا الخصوص: «خرجت بهذه الخلاصة من تغطيتي للحرب في البوسنة. في البوسنة كان هناك طرف يرتكب مجازر في حق طرف آخر. وكان يُنتظر منا بشكل من الأشكال أن نخلق نوعا من التوازن الأخلاقي بين الطرفين. وهذا التوازن كان منعدما على أرض الواقع، ومن ثم، فأن تكون صادقا هو أن تقول الحقيقة أي أن «طرفا في تلك الحرب كان يقتل الطرف الآخر». وبهذا الصدق، يمكن أن تسهم في إيجاد حلول واتخاذ قرارات.

في الحوار القصير نفسه، سألها تريفور عن رأيها في الانقلاب المجهض في تركيا. وقد كان جواب أمانبور منسجما مع تمييزها بين الصدق والحياد. توقفت في جوابها عند قضية لم تكترث لها معظم وسائل الإعلام الغربية التي تصوّر أردوغان في شاكلة الديكتاتور والمستبد المطلق. «كما تعلم، الجيش في تركيا علماني جدا، والرئيس، ربما، صار إسلاميّا بصفة متزايدة أو، ربما، يستفرد باتخاذ القرار، طبعا هذا من وجهة نظر الجماعة التي حاولت الانقلاب ضده. لكن هناك أمرا لافتا جدا هو أن الناس خرجوا للشارع ومنعوا الانقلاب من أخذ مجراه، وأعتقد أن هذا الأمر هو انتصار للديمقراطية. طلب الرئيس من الشعب الخروج وقد خرج فعلا، وهذا انتصار حقيقي للديمقراطية».

«ماكينة» الإعلام الرخيص تشتغل ليل نهار على إحداث عدد من التوازنات المزيفة، والاختلافات المصطنعة، لتحويل كل قضية عادلة إلى قضية خلافية، ما يجعل ذهن المتلقي مشتتا وينال من مروءته أحيانا في مناصرة المظلومين بحجة أن القضية فيها خلاف. ولا خلاف في القضية، حُجب وأغطية كثيفة من الزيف والخداع فقط. لنبقى يقظِين.

شارك برأيك