سليمان الريسوني يكتب.. برج بابل أم برج إيفل؟ – اليوم 24

سليمان الريسوني يكتب.. برج بابل أم برج إيفل؟

  • سليمان الريسوني

    خريف الدولة العميقة والأحزاب العتيقة

  • سليمان الريسوني

    سليمان الريسوني يكتب.. صحافة التشهير

من مدينة غرناطة، أتابع احتدام الجدل حول لغة التدريس في المغرب، وأفكر في أن إسبانيا لم تشهد طفرتها التنموية الأخيرة، أواسط الثمانينيات، إلا بأمرين اثنين؛ الانتقال الديمقراطي، والمصالحة مع إرثها العربي-الإسلامي. لقد كرس الكاتب الإسباني العالمي، خوان غويتيسولو، جزءا من نضاله الثقافي لفك عقدة الإسبان حيال إرثهم الجنوبي؛ فمثلما ترى بعض نخبنا أنه لا تقدم للمغرب إلا بالاستمساك بالوريد الفرنسي، كان عدد من النهضويين الإسبان يرون أنه لا طريق لإسبانيا، لكي تصل إلى ما وصل إليه الشمال الأوروبي والأمريكي، سوى ببتر عضوها الإفريقي وثقافته، أي الأندلس، واتباع النموذج الفرنسي والإنجليزي والأمريكي.

فعندما كتب المؤرخ الإسباني المعروف Claudio Sánchez-Albornoz يقول إن: «ثقافة الأندلس دمَّرتها سُحب الجراد الإفريقي»، وكان يقصد الموحدين والمرابطين، أجابه غويتيسولو، في كتابه «إسبانيا في مواجهة التاريخ- فك العُقد»، قائلا: «هل نسي كلاوديو سانشيز ألبورنوز أن هذا الجراد هو من شيّد الخيرالدة في إشبيلية وقصور مملكة غرناطة.. وأن ابن رشد عاش في هذه المرحلة.. وأن «سُحب الجراد الإفريقي» هي التي أسهمت في وصول إسبانيا إلى المكانة العالية في عائدات السياحة، ومع ذلك يتجنى بعض المؤرخين وغيرهم على التاريخ، محاولين طمس معالم 800 سنة من الوجود العربي الإسلامي بالأندلس أو إسبانيا الإسلامية؟».

لقد نبه غويتيسولو، في كتابه هذا، دعاة التغريب الإسبان، إلى مسألة مهمة، تعنينا، هنا والآن، وهي أن قواميس اللغة الإسبانية تتضمن أربعة آلاف كلمة عربية، يقدرها بعض الباحثين بربع مفردات اللغة الإسبانية القشتالية. فكيف نتخلص من «الجراد الإفريقي» إذا كانت لغتنا من لغته؟

إن اللحظة التي وعت فيها إسبانيا أنها تمتلك إرثا حضاريا متميزا عن باقي أوروبا، كانت ثاني لحظة لانطلاقتها نحو العالم، بعد الانطلاقة الأولى التي شهدت توقيع القوى الديمقراطية مع الملك الشاب، خوان كارلوس، على ميثاق لا غالب ولا مغلوب. إن هذه المصالحة مع مكون مهم من مكونات الشخصية (وليس الهوية) الإسبانية، هي التي جعلت مسؤولين أندلسيين يحتجون بقوة على محاولات تسمية قصر الحمراء بقصر تشارلز الخامس، أو على إقدام أسقفية قرطبة على حذف عبارة مسجد من اسم مسجد-كاتدرائية قرطبة. حيث خرج رفائيل رودريغز، وزير السياحة في حكومة الأندلس آنذاك، يقول: «إن الأسقفية تعطي الأولوية للمعتقدات الدينية على المنطق السليم والتاريخ الطبيعي للمبنى، وهذا لا يبدو لي معقولا أو مقبولا.. وسوف نرفع دعوى قضائية بشأن عدم دستورية إشراف الكنيسة على مسجد قرطبة».

دعنا من الأندلس، ولنعد إلى مسألة تدريس المواد العلمية باللغة الفرنسية، في مشروع القانون الإطار المتعلق بمنظومة التربية والتعليم والتكوين والبحث العلمي. لقد قيل الشيء الكثير عن تناقض هذا المشروع المثير للجدل مع النص الدستوري. فمثلا، تعريف التناوب اللغوي، أي تدريس بعض المواد بالعربية والفرنسية والإنجليزية، يناقض الفصل الخامس من الدستور، الذي يؤكد ضرورة انسجام السياسة اللغوية للمغرب. كما تساءل الكثيرون: لنفترض أن اللغة العربية لا تصلح لتدريس المواد العلمية، فلماذا ندرسها بالفرنسية، إذا كانت الإحصائيات الفرنسية ذاتها تؤكد أن 38 في المائة من الفرنسيين اليوم يختارون اللغة الإنجليزية لحديثهم وأبحاثهم العلمية؟ وهو تساؤل محرج لأصدقاء أو وكلاء فرنسا في المغرب. كما قدم آخرون دراسات تقول إن الدول المتخلفة وحدها التي تقبل تعليم أبنائها بغير لغتها أو لغاتها الوطنية، وهذا إما يؤكد أننا متخلفون، وإما أنه يراد لنا البقاء خلف فرنسا، والتمويه على ذلك بالحديث عن التناوب الثقافي. أيضا، تحدث آخرون عن أن جميع الدّول التي تحتل مراكز متقدمة في التعليم، تحرص على عدم تدريس تلاميذها أي لغة أجنبية، خلال مرحلة التعليم الابتدائي، وتكتفي باللغة الوطنية، لأن تدريس لغة ثانية لطفل ما بين 6 و12 سنة يؤثر سلبا على تحقيقه نتائج إيجابية…

دعنا من هذا وذاك، ولننظر إلى ما هو أغرب: هل نعرف أننا البلد الوحيد في العالم الذي يدرس أبناءه المواد العلمية بلغته الوطنية، من السنة الأولى إلى نهاية الباكالوريا، وبعد 12 سنة من الرموز والمصطلحات الدقيقة والتعابير العلمية والتقنية التي يتلقاها التلميذ بالعربية، نقول له إن العربية لم تعد صالحة للتدريس، وإذا أردت استكمال دراستك في الجامعة، فعليك أن تبحث عن أقرب صندوق قمامة وترمي فيه كلمات مثل الجذر المربع، ومتطابقة الهامة، والأنسوب… وتبحث لها عن مقابل في الفرنسية. إن أبلغ تعبير قرأته في هذا الباب كان لأستاذ اسمه أمين ضفير، يدرِّس الاقتصاد بجامعة الحسن الثاني بمدينة المحمدية، حيث قال: «في بعض الأحيان، نجد أنفسنا نعطي دروسا في اللغة الفرنسية داخل حصص الاقتصاد».

لقد ذكّرني تعريف التناوب اللغوي، في مشروع القانون، بالتناوب التوافقي، بين الحسن الثاني واليوسفي، والذي تجاوز حالة الاستبداد بخطوة، ووقف بعيدا عن الانتقال الديمقراطي بخطوات. حيث مازلنا منذ 1998 نتساءل: متى نصل إلى الديمقراطية؟ فهل نريد لأبنائنا أن يدرسوا العربية والفرنسية والإنجليزية، دون أن يتقنوا أي واحدة منها؟ مثلما هي ديمقراطيتنا؛ حكومات ووزراء متعددون لكنهم يتحدثون لغة واحدة، هي لغة السلطة المركزية.

إن ما يراد بسياستنا اللغوية شبيه بما جاء في أسطورة بابل، عن أن قوم نوح فكروا في بناء برج يطاول السماء، غير أن الإله السرمدي شتت شملهم وشق ألسنتهم، وبعدما كانوا يتحدثون اللغة التي يفهمونها جميعا، أصبح كل واحد منهم يلهج بلغة لا يعرفها الآخر. هذا ما يحدث لنا نحن، مع تعديل بسيط؛ تغيير برج بابل ببرج إيفل.

 

شارك برأيك