يونس مسكين يكتب.. لا «طزّ» ولا «رزّ» – اليوم 24
يونس مسكين
  • يونس مسكين

    يونس مسكين يكتب.. سنة سوداء لبذلة بيضاء

  • يونس مسكين

    لله يا جزاير..

  • يونس مسكين

    يونس مسكين يكتب.. صبرا وداد الأمة

الرأي

يونس مسكين يكتب.. لا «طزّ» ولا «رزّ»

خلّفت الصورة التي نشرها تركي آل الشيخ، الوزير ورئيس الهيئة العامة للترفيه في السعودية، قبل يومين عبر حسابه في تويتر، وهو برفقة الملك محمد السادس في أحد قصوره بالمغرب، موجة من التعليقات والنقاشات، على اعتبار أن هذا المسؤول السعودي نفسه ارتبط اسمه، قبل بضعة أشهر، بتغريدات مستفزة للمغاربة، حيث تولى مهاجمة الترشح المغربي لاحتضان كأس العالم 2026، وتولى، في المقابل، تعبئة الدعم للملف الأمريكي المنافس، داخل الاتحادات الكروية الآسيوية والعربية.

صحيح أن العلاقات الرسمية المغربية مع بعض دول الخليج العربي، العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة تحديدا، قد مرت في الفترة الأخيرة بمنطقة اضطرابات، لم تفلح أدوات الدبلوماسية وقنوات تصريف المواقف في إبقائها طي الكتمان، ويكفي أن نذكر هنا أن المغرب كان قد شكل الاستثناء في الجولة التي قام بها ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، في المنطقة المغاربية، وهو الاستثناء الذي سمحت التسريبات المأذونة بربطه بـ«اعتذار» مغربي لأسباب ترتبط بالبروتوكول والأجندة.

كما أن وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، حمل، وهو يلتقي نظيره الأردني قبل أيام، على هامش زيارة العاهل الأردني للمغرب، تصريحا محكم التصميم والتصويب، يقول إن الرباط لن تفرط في سيادتها رغم حرصها على روابط الود مع كل من الرياض وأبوظبي. هذا التصريح بقدر ما يحمل من هجوم وانتقاد، ينطوي أيضا على رسالة عتاب «أخوي».

مشكلة التعاطي مع العلاقات المغربية الخليجية أن «جمهور» المتفاعلين معها بات يتصرف بمنطق أقرب إلى منطق جماهير الكرة، خاصة بعد مشكلة الموقف الخليجي من ملف الترشح المغربي لمونديال 2026. فمن جهة، نجد من يقفز مصفقا ومبتهجا كلما صدرت عن المغرب إشارة غضب واحتجاج تجاه حلفائه الخليجيين، ومن جهة أخرى هناك من يقف مديرا خده الأيمن حين يصفعنا الأخ «طويل العمر» على خدنا الأيسر.

لا أقصد هنا الانتقاص من نقاشات الجماهير الكروية، التي باتت في المغرب، على كل حال، تتفوق على جماهير السياسة والنضال من حيث التأطير وقوة الخطاب، بل لأن العلاقات بين الدول تختلف عن تلك التي تربط بين أندية الكرة، أي أن العواطف تنكمش إلى أقصى الحدود، مفسحة المجال للغة المصالح والتوازن.

ماذا تقول لغة المصالح هنا؟ الحقيقة أن التحولات الدولية والإقليمية الكبيرة، التي تجري من حولنا، تجعل العلاقات المغربية الخليجية مؤهلة لتحتل بسهولة موقع الصدارة في اختيارات الدبلوماسية الخارجية. فالمنظومة الدولية القائمة منذ الحرب العالمية الثانية آخذة في التفكك، مفقدة العالم، رغم ما كانت تنطوي عليه من هيمنة وافتقار إلى العدالة، حدا أدنى من الاستقرار والانتظام في العلاقات الدولية. تحوّل جعل جل دول العالم تتحرك بحثا عن تحالفات وتموقعات جديدة حماية لمصالحها في بعض الحالات، ودفاعا عن وجودها في أخرى.

مشكلتنا في المغرب أننا استكنّا طويلا للوضع الدولي السابق، لما كان يمنحه إيانا من «حماية» غربية. اليوم، ومع قرب سقوط هذه المظلة التي كانت تظلل العالم، وجدنا أنفسنا محاصرين بالمعنيين الجيوسياسي والحرفي للكلمة. فجزء من ترابنا محتل من لدن جارنا الشمالي، والأبواب البرية مقفلة أمامنا من جهة الجار الشرقي، ونصف ترابنا الجنوبي مازال محط مساومات عابرة للقارات. لا مجال، إذن، للمراهنة على النظام الإقليمي المغاربي، فحتى لو حلّت مشاكلنا العويصة معه، فإننا سنكون أمام موريتانيا مترددة وجزائر «مريضة» وتونس خائفة وليبيا ضائعة.

الحل في الورقة الإفريقية؟ نعم، قد تكون إفريقيا جزءا من خلاصنا، لكنها حتما لا تكفي. لقد قضينا حتى الآن أكثر ما عامين داخل الاتحاد الإفريقي، لكن الأحداث كلها تؤكد أن هذه المنظمة القارية لن تكون بديلا عن اندماج إقليمي. بحثنا عن ذلك عبر منظمة دول غرب إفريقيا (صيدياو)، لكن الباب لم يفتح، والمحاولة الموازية عبر منظمة «سين صاد» لا تشكل بديلا حقيقيا رغم أهميتها.

إذا أضفنا إلى ذلك واقع أوروبا الآخذة في الأفول، والباحثة عن قشة تحالف ألماني فرنسي جديد يمنع إغراق المركب بعد تخلي البارجة الأمريكية عنها، ومصر التي دخلت في سياق خاص لن تخرج منه بسهولة، ماذا يتبقى؟ هل من المعقول والمنطقي أن نراهن على تحالفات جديدة مع قوى من حجم الصين وروسيا والهند؟ هل لدينا الإمكانات التي تسمح بتحالفات جديدة كهذه؟ قطعا لا.

هذه العوامل، إلى جانب أخرى، تجعل إرث العلاقات الوثيقة مع إمارات الخليج جزءا من الرأسمال اللامادي للمغرب. فلحظة انطلاق الربيع العربي كشفت أهمية هذه العلاقات، حين اقترحت الرياض انضمام المغرب إلى مجلس التعاون الخليجي، والمنهج الواقعي البراغماتي يفيد بأن التعاون المغربي الخليجي مؤهل لتحقيق أرباح كبيرة متبادلة، سواء سياسيا أو اقتصاديا.

يكفي أن نذكّر بأن التنسيق بين الطرفين في مجالات الاستثمار الجديدة في إفريقيا سيكون مفيدا أكثر من جعل هذه القارة المقهورة سببا جديدا للشقاق. وتلاقي القوة الناعمة للمغرب في القارة السمراء مع الرأسمال والنفوذ الخليجيين سيفيد المغرب أكثر مما يمكننا فعله إلى جانب قوى كفرنسا وأمريكا والصين وروسيا، فهؤلاء جميعا سيعمدون إلى ابتلاعنا بدل تقاسم الأرباح معنا.

يبقى أن على الجيل الجديد من حكام إمارات الخليج أن يفهم الرسالة التي بعثها بوريطة في ندوته المشتركة مع وزير الخارجية الأردني. وقبل التفكير في توازن المصالح، ينبغي الانتباه إلى الخصوصيات التي تميز المغرب عن حلفائه الخليجيين. أولاها أن نظامنا السياسي، وعلى علاته الكثيرة، يحفظ للمغاربة قدرا من كرامتهم حين يرفض لعب دور «السخرة» لهذا الطرف أو ذاك، كما أن بنية النظام السياسي المغربي، وإن كانت ملكية وراثية مثل إمارات الخليج، إلا أنها تنحدر من تاريخ ومجتمع مختلفين، وأهم ما ينبغي التذكير به هو أن المغرب ليس دولة ريعية بالمعنى الخليجي. الدولة هنا تعيش على ضرائب المواطنين، وليس من عائدات النفط أو الغاز، وهذا يعني ما يعنيه في طريقة التعاطي مع الإرادة الشعبية والمطالب والاحتجاجات.

المغرب والمغاربة لم يجدوا أي حرج في اصطفاف قواتهم العسكرية إلى جانب الحلفاء الخليجيين حين برز الخطر الإيراني محدقا بالمملكة السعودية؛ لكنهم لن يقبلوا أبدا أن يعاملهم حلفاؤهم بمنطق الذيل الذي يتبع الجسم في حركاته وسكناته، ولا أن يصبحوا حقلا لزراعة «الرزّ» الذي يقول الرئيس التونسي السابق، منصف المرزوقي، إنه أغرق تونس لتغيير دفة الحكم داخلها، في إشارة منه إلى أموال بعض الأطراف الخليجية التي تحركت لإفشال ثورات الربيع العربي.

هناك كلمة بليغة يستعملها إخوتنا المشارقة للتعبير عن اللامبالاة والسخرية والتقليل من شأن شيء أو شخص ما، وهي كلمة «طزّ» التي ورثوها عن فترة الحكم التركي (العثماني). والمغرب يرفض أن يُعامل سواء بمنطق «طزّ فيك» لأنك ترفض الانصياع، أو بمنطق إغراق السوق بـ«الرزّ» واستغلاله في مطبخ السياسة والإعلام.

شارك برأيك