منير أبو المعالي يكتب: ومن يُنطح يذهب هباء ! – اليوم 24
منير أبو المعالي
  • محمد الحموتي

    حوار حصري..الحموتي: رفضت عرضا لتفويت «البام» إلى الأحرار فهبّت عليّ المشاكل

  • منير أبو المعالي

    منير أبو المعالي يكتب: «لو لم أكن العثماني لتمنيت أن أكون بنكيران..»

  • منير أبو المعالي يكتب: حتى من غشنا فهو منا

الرأي

منير أبو المعالي يكتب: ومن يُنطح يذهب هباء !

ما حدث لعبد الحاكم بنشماش (وهذه هي تسميته الصحيحة وفقا للجريدة الرسمية) ذو طابع سريالي، لكنه ليس دون سوابق. العنف كان، باستمرار، وسيلة التغيير الرئيسة للقيادة في بعض الأحزاب، كما كان أيضا الامتداد الطبيعي للاختناق السائد في الديمقراطية الداخلية. حصل ذلك يوم طلب عبد الرحيم بوعبيد، وهو الرجل الذي يقدسه الاتحاديون كثيرا، سيارات الشرطة لتوقيف رفاقه الذين كان لديهم رأي مختلف حول ما يجب أن يكون عليه مستقبل الاتحاد الاشتراكي. كانت العصي التي طوت ظهور بعض «الطليعيين» شاهدة على قدرة العنف على تسوية الخلافات.

نوبير الأموي كان، شخصيا، واحدا من اليساريين الذين لديهم عقيدة مميزة بشأن الطريقة المثالية التي ينبغي بها فرض القرارات باستعمال العنف. كان جيش الحراس المحتشدين من حوله، في الخيمات التي تعقد بها مؤتمرات الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، دليلا مسبقا عما يمكن أن يحدث لمن تسول له نفسه أن يعترض على الزعيم. وَيَا وَيْل من يقترب منه؛ لقد كان لمعبد الأموي حراس آخرون لا يجدون حرجا في طرح المعارضين أرضا ثم جرجرتهم إلى الخارج. كانت المؤتمرات تعقد وكأنها محاكمات جماهيرية، وعليكم سماع شهادات أولئك الذين تشجعوا قليلا لرواية أجزاء من هذا التاريخ.

بيد أن العنف ليس خاصية لدى اليسار وحده، فاليمين أيضا يُظهر براعته في ذلك. حميد شباط، على سبيل المثال، كان نموذجا لا ينبغي الاحتذاء به في الطريقة التي يستخدم بها العنف لتسوية خلافاته. في مؤتمر الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، حيث أطيح بالزعيم عبد الرزاق أفيلال، كانت ملحمة «الكلاب المدربة» هي الفيصل بين ماض كئيب ومستقبل مظلم، وقد غطت سيارات الإسعاف، التي هرعت إلى هناك، على كل الشعارات الجوفاء التي ملأت الأرجاء قبل ذلك. اللكمة التي سددها شباط لوجه عزيز اللبار في البرلمان، لم تكن سوى إعلان للثبات على مبادئ قديمة. ولاحقا، كان شباط نفسه ضحية لذلك العنف المبذول لإقرار التغييرات الضرورية؛ فالرجل لم تسوِّ طموحاته سوى هراوات رجال الشرطة بمدخل مقر نقابته، هو وزوجته وأولاده. ومع ذلك، لم يطوَ العنف من حزب الاستقلال على كل حال، وكان للكراسي المتطايرة، في مؤتمره الأخير، المفعول الجوهري في بناء هياكل الحزب؛ أي منح حمدي ولد الرشيد السلطة المطلقة.

هذه ليست وقائع معزولة، وليست ماضيا مشينا. هذه ثقافة سائدة ومستمرة، وقد غرست بتأن من لدن هؤلاء «الديمقراطيين» الذين لا يرغبون في تخطيط حدود الديمقراطية. سيكون عسيرا ألا تقع جلبة عنيفة في مؤتمر حزب بالمغرب، وحتى وإن كان كل شيء قد رُتب بعناية.

قلت ذلك لأن الأحزاب غير الديمقراطية، أو كما نسميها ببعض الإجحاف التاريخي، أحزاب الإدارة، وهي عادة يمين مشوه، لا تُمارس العنف المادي بهذه الأشكال المعتبرة لدى الديمقراطيين. يكون الجميع مطأطئ الرأس، غير عابئ بـ«الزعيم» ولا بمناصبه. إنهم يعلمون أن القرار لا يدور في تلك النواحي، ومن العبث البصق في وجه الريح. الاحتجاج المدروس مرغوب فيه في سياق عمليات التجميل المطلوبة حاليا، لكنه لا يخرج عن حدوده. التجمع الوطني للأحرار مثال مناسب لذلك.

مثله مثل الأصالة والمعاصرة، حيث صنعت سنوات طويلة من التربية على الخنوع السياسي مدرسة سلام غريبة. كانت لإلياس العماري، وهو «الزعيم» الحقيقي ذو النزعات المسالمة شكلا، طريقة عصية على الفهم في تدبير خلافات حزبه. كان يصنع ما يشاء، ولم يكن لمعارضيه -حتى أعلاهم شأنا- سوى بعض أعمدة الجرائد لحكي مظالمهم.

لكن «البام» تغير، أصبح أمينه العام، بنشماش، رجلا «عاديا»، لا يمشي في الأسواق بالطبع، لكنه لا يمثل شيئا ذَا قيمة لدى أعضاء حزبه. الميراث الثقيل لسلفه كان يجب أن يُوزع بطريقة يقبلها أولئك الذين يعتقدون أنهم صنعوا بنشماش، بعدما كانوا صنيعة لإلياس. وفقا لهذا التحليل المسنود بالوقائع، لم تكن صفعة إبراهيم الجماني على الخد الأيمن لبنشماش سوى النتيجة الطبيعية للكيفية التي يحاول بها الأمين العام تدبير حزبه. يحاول الرجل تقليد إلياس دون أن تكون لديه أنياب. صاغرا، على غير عادته، متوسلا بانتهازية، بماض متساقط، لم يستطع بنشماش فعل شيء إزاء سطوة من هم أقوى منه. لذلك، كان مثيرا للسخرية أن يذهب وسيطه، العربي المحارشي، بمعيّة شخص غريب عن الحزب، كعبد الوهاب بلفقيه، إلى بيت الجماني نفسه طلبا للصلح. الانهيار الشامل للقيم، كما تحدث عنه بنشماش، لم يبدأ في تلك اللحظة التي هوت فيها يد الجماني على وجهه، وإنما كان فاقعا للعين منذ عقد من الزمن.

الصفعة على خد بنشماش ليست عنفا عشوائيا، كلا، هذه صفعة تؤذن بنهاية الرجل نفسه. هكذا علمتنا دروس تاريخ الأحزاب؛ العنف ليس سوى الوسيلة التي يجب أن تنتهي بها مصائر الأشخاص، ومن يسقط أرضا يذهب هباء.

التركيبة الكيميائية، التي تحكم بها الأحزاب نفسها قسرا، تجعل من العنف ذلك الشر الضروري في نهاية المطاف. إن طريق المكاسب المبعثرة هو هذا، وبهذه الكيفية الجنونية التي تسمح بها الديمقراطية نفسها؛ يسيل الدم وكأنه يتدفق من جرح وخزة موقف سياسي صائب وجد في قبضة اليد دفاعا أخيرا، وبالطبع، يجب أن تكون يدا خشنة مثل تلك التي لدى الجماني.

شارك برأيك