نحن وحرب 5G المقبلة – اليوم 24

نحن وحرب 5G المقبلة

  • يونس مسكين

    لله يا جزاير..

  • يونس مسكين

    يونس مسكين يكتب.. صبرا وداد الأمة

جمعتني قبل يومين جلسة خاصة ببضعة وعشرين من المشاركين الذين جرى انتقاؤهم بعناية، في ضيافة مركز التفكير الصاعد بقوة، policy center، الخارج حديثا من رحم مركز OCP للسياسات. وشهدت الجلسة حضور 12 من كبار الباحثين العاملين بالمركز (senior fellows)، وهم مجموعة من الباحثين والأكاديميين والخبراء الذين أحاطوا بمجالات تخصصهم، بالممارسة أو البحث والدراسة. مدير المركز، كريم العيناوي، أدار جلسة مناقشة بأسلوب حيوي لا يتسامح في الوقت، ومنح كل المتدخلين دقيقتين فقط ليقدم كل منهم عرضا حول أكبر التحديات التي يرى أن المغرب يواجهها في مجال تخصصه. لننصت إلى هذه المقتطفات:

الخبير الاقتصادي المجرّب، العربي الجعايدي، قال إن ما يصطلح عليه بالوضع المتقدم في العلاقات المغربية الأوربية لم يحقق ما كان منتظرا منه، وقرأ في مستقبل العلاقات المغربية مع الاتحاد الأوربي بوادر انطلاقة جديدة بعد فترة صعوبات نجمت عن الأزمة الداخلية لأوربا، ومواقف المغرب الصارمة المرتبطة بملف وحدته الترابية في السنوات الأخيرة.

الدبلوماسي المخضرم، محمد لوليشكي، الذي شغل مهام دبلوماسية رفيعة، منها منصب الممثل الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة، قال، في الـ120 ثانية المخصصة له، إنه وبما أن المغرب وباقي الدول الإفريقية لا تملك وسائل وقوة أمريكا أو روسيا، فإن خيارها الوحيد في الدبلوماسية هو النمط متعدد الأطراف، وليس الثنائي.

السياسي والوزير السابق، فتح لله والعلو، قال في قراءته لكف المغرب إننا مقبلون على تغيّر العولمة السائدة من أحادية القطب إلى الثنائية القطبية، وذلك بصعود الصين لتقاسم أمريكا النفوذ في العالم. تحوّل قال والعلو إنه يجعل قاطرة العولمة تبتعد عنا، حيث ستنتقل إلى أمريكا والصين النائيتين، ليبقى أمام أوربا وإفريقيا خيار واحد، هو الالتحام لتشكيل قطب ثالث يستعيد مركزية البحر الأبيض المتوسط.

متخصص الأنتروبولوجيا والتاريخ، خالد الشكراوي، قال في مداخلته إننا نعيش فترة تصدير مشاكل الشرق الأوسط إلى إفريقيا، خاصة في ظل الصراع بين محوري السعودية-الإمارات وتركيا-قطر، وهو الصراع الذي قال إنه يطالب المغرب وباقي الدول الإفريقية باتخاذ موقف يختار بين أحد المحورين.

أما المتخصص في ظاهرة الإرهاب، مصطفى الرزرازي، فأضاف أن قارتنا الإفريقية تشهد إعادة بناء خطاب التطرف، وذلك في اتجاه «أفرقته»، وهو ما يولّد مشكلة لدى الخطاب المضاد الذي لا يواكب هذا التحول.

ما ظل ينقص اللوحة العامة التي رُسمت في هذه الأمسية الرمضانية، هو البعد المرتبط بالتكنولوجيا والاتصالات، والذي تقول بعض المؤشرات القوية إنه سيحسم جانبا كبيرا من هذه المعركة، ومعها مستقبل البشرية فوق كوكب الأرض.

هناك حرب عالمية كبرى تدور حول من سيتحكم في الجيل المقبل من تكنولوجيا الاتصالات، أي الجيل الخامس (G5). فأمريكا الخائفة من فقدان هيمنتها الدولية تخوض حربا أكثر ضراوة من تلك التي تسلّط عليها أضواء الإعلام حاليا مع إيران، وتهم الذراع التكنولوجي الرهيب للصين في هذا المجال، أي شركة «هواوي»، التي أثارت هلع الأمريكيين لتحقيقها السبق في مجال إقامة البنيات التحتية اللازمة للجيل المقبل من الاتصالات، والتي تواجه عقوبات أمريكية قاسية تطاردها عبر العالم، وهو ما حمل الكثير من الدول، منها فرنسا، أخيرا، على وضع حواجز أمام تمكن الشركة الصينية من إقامة هذه البنيات التكنولوجية الجديدة، بدعوى الخوف من توظيفها من لدن الصين لأغراض تجسسية.

قد يقول قائل: «وما شأننا نحن البلد المتخلف والصغير مقارنة بأطراف هذه المعركة؟». لكننا، لحسن الحظ أو لسوئه لا أدري، لسنا في منأى عن هذه المعركة التي تؤسس الثنائية القطبية التي تحدث عنها والعلو. فقبل أسابيع وجهت سؤالا إلى «مارتن سان»، الشاب الصيني ذي الـ30 عاما، والذي يشغل منصب مدير عام «هواوي المغرب»، حول تأثير العقوبات الأمريكية ضد شركته والمتعاملين معها ماليا على نشاطها في المغرب، فكان ردّه بالنفي المطلق لوجود أي تأثير.

لكن، وبقليل من البحث، وقفت على معطيات جديرة بالاهتمام، منها أن الشركة، التي صرفت العام الماضي 15 مليار دولار على أعمال البحث والتطوير فقط، تعتمد المغرب واحدة من منصاتها الأساسية في الزحف على العالم. فمن أصل 11 موقعا للمكاتب المالية الجهوية التي أقامتها «هواوي» في العالم لاستقطاب التمويلات اللازمة لتسويق خدماتها، فإن المغرب يستضيف أحد هذه المكاتب.

انطلاقا من المغرب، تغطي «هواوي» 29 دولة إفريقية، أي أكثر من نصف القارة، فيما يغطي مكتب جنوب إفريقيا 27 دولة. ويتوفّر المكتب، الذي تديره الشركة الصينية انطلاقا من المغرب، على أكثر من 4 آلاف موظف. وحين سألت مصدرا من داخل إحدى المؤسسات المالية المغربية عن كيفية تعاطيهم مع الشركة الصينية الملاحقة أمريكيا، قال لي إن الأمر يتسم بحذر كبير، «لم نُلغ أو نخفِّض أيا من معاملاتنا القائمة، لكننا حذرون جدا في الإقدام على المزيد».

خلاصتي الشخصية من كل ما سبق، أن المغرب يتقدم بسرعة كبيرة للتموقع في قلب المعركة الدولية التي كان يبشّر بها باستشراف دقيق المفكر المغربي الراحل، المهدي المنجرة، أي المواجهة المباشرة بين أمريكا والصين. هذا التموقع الجديد سيفرض علينا دخول الحرب الباردة الجديدة محاصرين بمشاكل الشرق الأوسط وخلايا الإرهاب وتهميش الحوض المتوسطي، لكن أيضا بألغام الحروب التكنولوجية وشيكة الاندلاع.

شارك برأيك