الداهي: العروي يرى أن الترجمات العربية تؤكد سوء فهم الفكر الغربي -الحلقة17 – اليوم 24
العروي
  • الشباب المغاربة

    استطلاع: 83 في المائة من الشباب المغاربة لا يثقون في الحكومة والبرلمان والأحزاب

  • التعليم في المغرب

    فشـــل التعليـــم.. أسبابـــه ترتبــط بغيــاب المنــاخ الديمقراطيــة

  • ميغيل أنخيل موراتينوس

    الفساد السياسي.. عائق التنمية المستدامة في الوقت الراهن

فسحة رمضان

الداهي: العروي يرى أن الترجمات العربية تؤكد سوء فهم الفكر الغربي -الحلقة17

قال المفكر عبد ا العروي، في حوار صحافي، يعرف نفسه: «أنا روائي بالميول، وفيلسوف بالاستعداد، ومؤرخ بالضرورة». يعكس هذا التصريح موسوعية الرجل في المعرفة والكتابة. لكن قراءة أعماله الأدبية والفكرية تبرز ريادته في مجالات شتى: البحث التاريخي، والتأمل النظري، والإبداع الأدبي، والترجمة، الخ. في هذه الحوارات، نقدم هذا الفكر المتعدد، من خلال أسئلة نطرحها على كتاب ونقاد وباحثين، في محاولة لتفكيك منظوره الفكري المركب.

إلى أي حد يمكن الربط بين شخص العروي وشخصيات رواياته والأدباء والروائيين العالميين، الذين يحيل عليهم أو يستشهد بهم في مداخلاته الشفاهية (فيودور دوستويفسكي، أمبرتو إيكو، هنري دو مونترلان، نجيب محفوظ، إلخ)؟

لا بد من التذكير أن الحوار الذي أجريته مع عبدالله العروي دام خمس ساعات في منزله بحي السويسي دون توقف. كان الهدف من إجرائه أن ينشر ضمن ملف عن عبدالله العروي في مجلة فصول. وعندما اطلع عليه محمد برادة نصحني بنشره في كتاب لأهميته وعمقه، وطلب مني أن يستوضحه في بعض الأمور التي تحتاج إلى التوسع أكثر. تعجبت من اطلاع عبدالله العروي الواسع على الرواية العالمية والعربية. وعندما أستشهد بقول يضعه في سياقه الأصلي مادام قد اطلع عليه من قبل في مظانه. ما حفزني على مصاحبته وهو يشق عباب بحر الرواية العالمية أنني كنت أعرف مسبقا مدى ولعه بها واطلاعه عليها بنهم لأنه كان يستشهد بمقتطفات منها في أعماله النظرية. وكانت دهشتي أكثر عندما عاينت- من كثب- خصوبة ذاكرته وطراوتها ودقتها، وقدرته على تحليل بعض التجارب الروائية الكونية الأساسية وإصدار أحكام عليها، واستخلاص العبر المناسبة منها. أشاد بمختلف التجارب التي تركت بصماتها في تاريخ الأدب، وساهمت في تخييل الواقع لاستكشافه ونقده وبيان عيوبه واقتراح البدائل التي يمكن أن تعيد للإنسان كرامته وطمأنينته، ومن بين التجارب التي استحضرها تجربة نجيب محفوظ مبديا كثيرا من الملاحظات النقدية عليها ومن ضمنها الصورة التي خلقها عنه مترجموه، والتي لا تعكس أسلوبه الحقيقي، قدموه للأوروبيين بأنه “فلوبير العرب”، في حين كان حريا بهم أن يسموه “بلزاك العرب”. ضمنت بعض ملاحظاته في الحوار الذي أجريته معه (عبدالله العروي من التاريخ إلى الحب) لكنني– تحت طلبه- استغنيت عن صفحات مافتئت محتوياتها مسجلة في الأشرطة. بعد الفراغ من الحوار، رافقني عبدالله العروي على متن سيارته إلى شارع محمد الخامس بالرباط. وفي طريقنا طلب مني أن أتصرف فيما قاله عن نجيب محفوظ تفاديا لإثارة بعض الحساسيات المفرطة في العالم العربي، الذي لم تترسخ فيه بعد أعراف “النقاش العمومي” ومقتضياته.

ألا ترى أن بعض الأعمال التي ترجمها إلى العربية (دين الفطرة، تاريخ الرومان، شيخ الجماعة) تعكس همومه الفكرية وهواجسه الذاتية؟ ما حدود تماهي الذات المترجمة مع هذه الأعمال؟

ارتأى العروي منذ مدة أن يترجم أمهات الفكر الإنساني حرصا منه على تقديم المعرفة في مظانها، وخلق حوار مثمر حول مضامينها الساعية إلى تهذيب المواطن الحر، وتحديث بنيات المجتمع. لاحظ العروي أن عينة كبيرة من الترجمات تشوه الأصل، وهو ما عانى منه شخصيا من لدن مترجمين لا يحسنون صناعة الترجمة. وبين- في المقدمة- التي صدر بها ترجمته للإيديولوجية العربية المعاصرة (الصياغة الجديدة 1995) أنه إذا كانت الترجمة بهذا الشكل، فهذا يعني أننا أسأنا فهم الفكر الغربي وقدمناه بطريقة مشوهة. وتفرغ في السنوات الأخيرة إلى ترجمة بعض المصادر الأساسية في الفكر الغربي ذات صلة بمشاريع التنوير في القرن الثامن عشر. ولا أحد يمكن أن يشك في مصداقية هذه الترجمات وملاءمتها لكونها صادرة عن مثقف يتقن اللغتين الأصل والهدف، ويوفي المسؤولية والأمانة العلميتين حقهما، وبلغ الغاية في الموضوع المطروق (فكر الأنوار)، الذي كرس له حياته العلمية جلها. وبالرجوع إلى المقدمة التي صدر بها ترجمته لـ”دين الفطرة” لجان جان روسو يتضح أن غايته تكمن في إيصال المواقف التحديثية إلى الأجيال الجديدة من المثقفين الشباب.

يرى أنه يمكن أن نختار اثني عشر عملا من أهم ما أنتجه الغرب، ثم نتأكد مما ترجم منها إلى اللغة العربية. ستكون الخلاصة مفجعة بدعوى عدم التكافؤ بين ما هو متاح للمثقف الغربي عن ثقافته، وما هو متاح عن الغرب في الثقافة العربية. علاوة على ذلك، نورد ما استدل به أبو سعيد السيرافي لإثبات وجاهة فكره وتفنيد آراء مناظره أبي بشر متى بن يونس “ركاكة الترجمة وإخلالها بقواعد البيان”. قد تخرج بعض الترجمات– ومن ضنها منجزات عبدالله العروي- عن هذه المفارقة التي تفاقمت في العالم العربي وكرست تعثر مسيرته الثقافية وتأخره عن الركب الكوني.

وإن تأخرت هذه الترجمات لكثرة انشغالات عبدالله العروي العلمية، فقد جاءت في وقت مناسب جدا يتسم عموما بارتفاع وتيرة التطرف الديني والكراهية العمياء من جهة وبتصاعد موجات التشكيك في مدى فاعلية المشروع الحداثي وملاءمة مكاسب الفكر التنويري المعاصر من جهة ثانية. ومما أكده عبدالله العروي نذكر أساسا هشاشة العلل المتشابهة بين منطلقات روسو (الدفاع عن الفرد الحر المستقل) والتصورات المماثلة له في الثقافة العربية الإسلامية (انتفاء هذا الفرد في أعمال ابن رشد والغزالي وابن طفيل ومحمد عبده ومحمد إقبال)، ثم يضيف علاقة المؤلفات المترجمة بالفلسفة الحديثة في دفاعها عن حرية المعتقد، والدين الطبيعي، وإعطائها الأولوية للعقل والضمير الأخلاقي، وتعاملها مع الدين باعتباره ظاهرة اجتماعية وسياسية، وحثها على تفادي الغموض والتعصب في التربية الدينية.

إن ترجمة هذه المؤلفات تندرج ضمن المشروع الحداثي لعبدالله العروي. من بين عوائق التحديث تعويد الأطفال على التدين الأعمى والتعصب الديني، ومن العوامل الحافزة على التحديث- بالمقابل- تلقينهم عقيدة بسيطة خالية من شوائب التعصب والتحريض. ولا تتحقق هذه العوامل إلا في المجتمع الديمقراطي الذي يتعاقد فيه الناس منذ طفولتهم، على أن يكونوا مواطنين يسعون إلى بناء مجتمعهم باعتماد الحرية وفضيلة الكمال.

شارك برأيك