الزمن الذي كان.. الإدريسي: أشيع عنا بأننا عملاء للمخزن وانفصاليون بعد زيارة آل الخطابي -الحلقة19 – اليوم 24
علي الادريسي
  • العثماني

    هذه خلفيات حذف قطاعات 
في الحكومة الجديدة

  • اسماعيل حمودي

    إسماعيل حمودي يكتب.. حكومة ما بعد 2021

  • رشوة

    رغم مرور 9 أشهر.. «بلوكاج» لقانون هيئة الرشوة لدى الأمانة العامة

منوعات

الزمن الذي كان.. الإدريسي: أشيع عنا بأننا عملاء للمخزن وانفصاليون بعد زيارة آل الخطابي -الحلقة19

من عمق شمال المغرب، ريف آيث ورياغل، إلى طنجة والجزائر وتونس، ثم العودة إلى المغرب: إلى جامعة محمد الخامس بالرباط، قبل أن تقوده غواية الحركة إلى كندا، نصحب الجامعي، الباحث في تاريخ الفكر السياسي في الإسلام، والدبلوماسي، علي الإدريسي، في عملية سبر أغوار ذاكرة متدفقة. في هذه الحلقات الرمضانية، يعيد الإدريسي بناء الأحداث، وتقييم مسارات أزمنة، واستخلاص الدروس. فـ«الحديث عن الزمن الذي عشناه وعايشنا أحداثه وظرفياته لا يعني استرجاعه، كما تسترجعه كاميرات التصوير، بل استحضارا لوقائع معينة كان لها تأثير إيجابي أو سلبي على الذات، وعلى المجتمع الذي ننتسب إليه». كل ذلك بعين ناقدة ذاتية-موضوعية، لعل في عملية التذكر تلك للزمن الذي مضى ما يفيد الأجيال الحالية واللاحقة.

أشرت في الحلقة السابقة إلى جوانب شخصية في بومدين خلّدت اسمه في ذاكرة الجزائريين، فهل كان لعلاقته بالمغرب دور في تخليد شخصيته كذلك؟

بالفعل، كان المغرب حاضرا بقوة في خطب بومدين من خلال المقارنة بين ما ينجز في الجزائر وما ينجز في المغرب،وكان فخورا بالتوقيع مع الحسن الثاني على اتفاقية رسم الحدود المغربية ــ الجزائرية كما ورثتها الجزائر من فرنسا؛ وقد أعطاه ذلك شرعية أكبر أمام الجزائريين. كما كان موقفه الصارم المضاد لاسترجاع المغرب للساقية الحمراء، وما صاحب ذلك من مناوشات حربية مجددا. مما جعل المغرب في الخطاب الرسمي وفي الإعلام الجزائري خطرا يداهم الجزائر، عملا بالقاعدة القائلة: العدو موجود، إن لم يكن موجودا يجب إيجاده. وتم تصوير ذلك في المخيال الجزائري بأنه انتصار على “المرّوك” لم يسبق للجزائر أن عرفته في التاريخ. وبالمناسبة، فإن الحسن الثاني نفسه اعتبر بومدين لاعبا سياسيا ماهرا، إلى درجة أن وفاته سجلت لديه فراغا كبيرا، وفقا لما أشار إليه في كتاب “مذكرات ملك”.

 خلال زمن بومدين، كيف تطورت علاقتك بمحيطك المغربي في الجزائر؟

لست أدري إذا كان عدم الثقة في المنخرطين والتشكيك في إخلاصهم للحزب أو القيادة يُعدّان من أسس التوجهات الحزبية وتكوين المتحزبين في المعرب؟ فقد شعرت بهذه الحالة بقوة داخل الاتحاد وفي صفوف أوطم UNEM، ولم يكن الأمر يختلف عما كانت تمارسه القوى الأمنية للمخزن. وكان ذلك يقلقني كثيرا وغيري من الطلبة والمناضلين؛ ويغذي في المنخرطين شكوكا سلبية في كثير مما يحدث حولهم، وداخل صفوف الحزب والتنظيم الطلابي سواء بسواء. وكنا نحاول تأويل ذلك بضرورة الاحتياط الواجب اعتماده والتسلح به، نظرا لطبيعة علاقة المجابهة بين المخزن والمعارضة. غير أن ما كان يسود بين المغاربة المعارضين بصفة مستمرة، هو التشكيك في كل شيء. وخاصة في أولئك الذين يطرحون تساؤلات وأسئلة، الذين لم يكن ينظر إليهم بالإيجاب النافع. وللأسف، فكل من كانت له ميول طرح الأسئلة المؤدية إلى توليد الاقتناع بأهداف النضال الحزبي، كان يُتوجس منه خيفة. أما إذا كان يمارس نقدا لممارسات حزبية معينة، أو يبدي فيها رأيا، فإن تهمة العمالة للمخزن تكون جاهزة.

 هل تذكر لنا أمثلة أو حوادث معينة تدل على ما أشرت إليه؟

هناك أمثلة كثيرة يمكن استحضارها، وهي معروفة لدى قدماء المناضلين في الأحزاب وغير القدامى كذلك. ويكفي أن ننظر إلى عملية الانسحابات المستمرة لمناضلين من أحزابهم، وإلى عملية التفريخ التي اشتهر ويشتهر بها الجسم الحزبي المغربي، يسارا ويمينا على حد سواء، ليتأكد وجود ظاهرة التشكيك في طوية المناضلين وسرائرهم.

بالنسبة إلي، أتذكر على سبيل المثل، وليس الحصر، اللقاء الذي جمعني، وبعض الأصدقاء، منهم عبد السلام الغازي والمرحوم المهدي العمارتي، مع سعيد بن محمد بن عبد الكريم الخطابي وأخيه عبد السلام، عقب زيارتهما للجزائر على إثر انقلاب بومدين. واللقاء لم يكن يهدف إلى أي غرض سياسي، بل إن الغازي والعمارتي كان لهما علاقة بآل الخطابي بالقاهرة، وأخذاني معهما لزيارتهما، تقديرا منهما لعواطفي الإيجابية نحو الأمير الخطابي. ولم تكن الزيارة سرية. غير أن الاتحاديين وحميد برادة بالذات اعتبروا ذلك عملا ضد الحزب، وأشيع عنا بأننا عملاء للمخزن وانفصاليون. وما زلت أتساءل إلى الآن: كيف يكون إنسان ما انفصاليا عن المخزن وعميلا له في الوقت نفسه. ولم يكن بوسعنا إلا أن نعتبر ذلك من تأثير روايات العبث أو مسرح اللامعقول، اللذيْن كانا شائعين آنذاك.

وكان من نتائج لقاء ابني الخطابي سحب المنحة من عبد السلام الغازي والمهدي العمارتي، أما أنا فقد كنت معلما. وعرفنا لاحقا أن طالبين موريتانيين حلاّ محل الغازي والعمارتي في الاستفادة من المنحتين المسحوبتين منهما!؟ وبعد سنتين من تهمة الانفصال والعمالة للمخزن زرت حميد برادة في باريس متمنيا مساعدتي على الدراسة هناك. فتأكد لدي ما نصحني به أحمد بن جلون بأن لا جدوى من القيام بتلك المحاولة.

 لكن ما تذكره يتناقض إلى حد ما مع ما كانت تنشره جريدة الاتحاد “التحرير” من إشادات بآراء الخطابي السياسية، وبخاصة موقفه من دستور 62، فما تعليلك؟

لم أكن قادرا على فهم تلك التناقضات حينها. لكن تبين لي فيما بعد أن آراء الخطابي وتصريحاته التي كانت تُنشر في جريدة “التحرير”، إما أنها كانت تُستغل من قبل الحزب من أجل إقناع جهة ما بأن انفصاله عن حزب الاستقلال، الذي كان يعادي الخطابي جهارا نهارا، هو انفصال نهائي، وإما بهدف جلب أصوات المتعاطفين مع الخطابي لصالح الاتحاد، وإما أنه كان اجتهادا شخصيا من السيد عبد الرحمان اليوسفي رئيس تحرير الجريدة.

شارك برأيك