يونس مسكين يكتب.. سنة سوداء لبذلة بيضاء – اليوم 24
يونس مسكين
  • يونس مسكين

    يونس مسكين يكتب.. كي نستحم من جديد

  • حراك الريف

    الجيل الجديد من الاحتجاجات يستنفر المجالس الدستورية

  • البرلمان

    أخيرا.. البرلمان يصادق على إحداث التأمينات «الإسلامية»

الرأي

يونس مسكين يكتب.. سنة سوداء لبذلة بيضاء

أخطر ما يمكن أن يبتلى به مجتمع ما هو أن تضيع منه خيوط نقاشاته، كما بات يحصل في المغرب كلما تفجّر موضوع سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي. هناك عتمة حالكة ترخي بظلالها على المشهد كلما برزت قضية تنطوي على نزاع بين جزء من المجتمع والسلطة، كما لو أن القنابل الدخانية باتت خيارا ثابتا في تدبير الأزمات.

نحن اليوم على أبواب نهاية مأساوية لسنة دراسية في واحدة من أكثر مؤسسات التكوين العالي أهمية وحساسية. فالشبان الذين انتقيناهم على مدى سنوات مضت من خيرة أبنائنا الحاصلين على شهادة البكالوريا بميزة، والذين ننتظر منهم السهر على علاج أمراضنا ومداواة جراحنا، ينهون سنتهم مهدَّدين بالرسوب الجماعي، وفي أحسن الأحوال بأعطاب اجتماعية ونفسية سترافقهم مدى حياتهم، وتكوين منقوص إن لم يكن منعدما في عام خلت فيه المدرجات والمستشفيات الجامعية من أطباء المستقبل.

هل ننتصب للدفاع عن هؤلاء الشبان، خاصة بعد السقطة المريعة التي أقدمت عليها الحكومة في بيانها الأخير، حين عمدت إلى أسلوب عفّى عليه الزمن كانت تنهجه بعض الأجهزة البوليسية في زمن الرصاص، بتبريرها الأزمة بـ«تحريض» جماعة العدل والإحسان، كما لو كان الطلبة الأطباء مجموعة معتوهين مسلوبي الإرادة، أو كان قيام تنظيم سياسي أو مدني بمعارضة السلطة جرما لا يغتفر؟ أم نركن إلى ما ارتأته بعض الأصوات من تنظير للاستبداد المستنير، على اعتبار أنه لم يكن بالإمكان أكثر مما كان؟

لنجرّب أسلوب «الخشيبات»، ولنبعد الموضوع، أولا، عن ساحة الشعارات الكبرى والخطب الرنانة. قد تكون لهذه المعركة امتدادات في حقول السياسة والاقتصاد ومراكز النفوذ واللوبيات، لكن جوهر الملف دفاع مستميت من لدن فئة معينة من المجتمع عن مصالحها، وهو أمر مشروع ومحمود، لكن، من الضروري تسجيل ذلك.

هل تطوّر الأمر إلى هبّة مجتمعية تنتصر للطبقة المتوسطة أو الفئات الهشة ضد تكتّل مصلحي متحالف مع دوائر في السلطة؟ لا أعتقد ذلك، وإلا لما رافق هذه المعركة كم هائل من الانتقادات والاتهامات الموجهة إلى جسم مهنة الطب، بدءا من ضعف القيام بالوظائف والخدمات الأساسية في المستشفيات والمستوصفات العمومية، وانتهاء بمجازر بعض المصحات الخاصة.

ينطلق دعاة الانتصار لـ«الاستبداد المستنير» من هذا الحنق المجتمعي على الجسم الطبي، ليطالبوا بدعم السلطة في هذه المعركة. يعزز هؤلاء، ومن بينهم أكاديميون، موقفهم هذا بمعركة الخدمة في المجالات القروية والجبلية التي خاضها الأطباء قبل ثلاث سنوات إلى أن أسقطوا المشروع، وبإحجام الأطباء عن المشاركة في مباريات التوظيف في المناطق النائية، فضلا عما ترتكبه بعض المصحات الخاصة من جرائم في حق صحة وجيوب المواطنين المرضى وعائلاتهم.

قبل نحو شهرين من الآن، صدر بلاغ مشترك بين وزارتي الصحة والتعليم العالي، يعلن استجابة الحكومة لجميع مطالب الطلبة الأطباء، وهو ما أعقبه التصويت، الديمقراطي بلا شك، والذي رفض خلاله الطلبة، وبأكثر من 90 في المائة، العرض الحكومي. السبب؟ تتحدث وثائق وتصريحات أطباء الغد عن سببين رئيسين؛ أولهما الإصرار على بقاء طلبة الجامعات الخاصة خارج المستشفيات الجامعية العمومية، وثانيهما رفض الطلبة إضافة سنة سادسة إلى مسار تكوين أطباء الأسنان.

هنا يرتفع صوت خطاب آخر يلمّح إلى وجود يد «لوبيات» ضاغطة وذات نفوذ خاص، تجبر الحكومة على حماية ظهر الجامعات الخاصة، دون أدنى شرح للمقصود بهذه الأحكام وترديد خطابات كبيرة.

فحسب آخر بلاغ أصدرته وزارة الصحة لإعلان تواريخ اجتياز مباريات ولوج كليات الطب، العمومية والخاصة، فإن الحديث في الشق الخاص يهم أربع جامعات تضم كليات للطب والصيدلة. أولى تلك الجامعات هي الجامعة الدولية للرباط، والتي تضم كلية خاصة بطب الأسنان. هذه الجامعة يرأسها الأكاديمي نور الدين مؤدب. ثانية هذه «الجامعات الخاصة» هي جامعة محمد السادس لعلوم الصحة بالدار البيضاء، والتي يتولى رئاستها خبير جراحة الأطفال محمد الأندلسي. وثالثة هذه «الجامعات الخاصة» هي الجامعة الخاصة لمراكش، ويقودها رجل اسمه محمد القباج. أما «الجامعة الخاصة» الرابعة التي تكوّن في المجال الطبي بالمغرب، فهي جامعة الزهراوي الدولية لعلوم الصحة بالرباط، ويرأسها محمد منير الماجدي، مدير الكتابة الخاصة للملك.

هل نحن، إذن، أمام نزعة شبابية متنطعة لطلبة مسنودين بشكل خفي من لدن أساتذتهم وقدمائهم في المجال الطبي، بغاية حماية مصالح ظلوا يحتكرونها ويبتزون الدولة والمجتمع من خلالها، أم هي معركة حاسمة لبسط هيمنة رأسمال خاص يزحف على صحة المغاربة ليحولها إلى أرقام في الحسابات البنكية؟

لا جواب حاسم ما لم تُسحب القنابل الدخانية من المشهد، والأمر الوحيد الذي جرى حسمه، هو دوس الطرفين معا على الحكومة في ساحة مواجهتهما، وتجريدها مما تبقى لديها من «كرامة»، حين لم تجد سوى شماعة «الجماعة» لتعلّق عليها عجزها عن حماية قرارها من تعنّت هذا الطرف وتعسّف الآخر.

أما إذا صحت الأنباء التي تحدثت عن مطاردة آباء قادة تنسيقية الطلبة الأطباء بعد أساتذتهم، وتوقيف بعضهم عن العمل، وإغلاق صيدليات البعض الآخر، فإن مشكلتنا ستكون أكبر من مجرّد إضراب قطاعي، لتعدو مصيبة سياسية وحقوقية. فالتنقيب عن الانتماءات الفكرية والامتدادات الأسرية لشبان مضربين، لا يمكن أن يكون سلوك دولة تدعي لنفسها صفة الحق والقانون.. ابحثوا حينها عن وصفها المناسب في قاموس آخر.

شارك برأيك