شمّاعة الجماعة! – اليوم 24

شمّاعة الجماعة!

  • اسأل سعد زغلول!

  • إسلاميو الجزائر ووهم الانتخابات!

قبل ثمانية سنوات، وعقب وصول حزب العدالة والتنمية إلى رئاسة الحكومة، كان مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان، وجه رسالة إلى قيادتي حزب المصباح وحركة التوحيد والإصلاح، اختلط فيها العِتاب بالنصح، لكنها كانت واضحة بما فيه الكفاية بكون الجماعتين على طرفي نقيض، ليس على مستوى المرجعية الدينية والعقدية، ولكن على مستوى الرؤية السياسية ولمسار الإصلاح السياسي في بلادنا.

فقد اعتبرت الجماعة أن: «الحديث عن المؤسسات وتعددها واختصاصاتها في ظل الحكم الفردي ومشروعه السلطوي الاستبدادي ضرب من الخيال»، وأن «العمل من داخلها -أي المؤسسات- وفق شروطه وابتزازه- أي الحكم الفردي-، مخاطرة سياسية، بل هو انتحار حقيقي، وهذا ما يدفعنا إلى الخوف الشديد عليكم وعلى مستقبل رجال ونساء من خيرة أبناء هذا الوطن، ولا نزكّي على الله أحدا، بذلوا ويبذلون، وما أظننا نخطئ إذا قلنا إنهم سيبذلون جهودا كبيرة، ولكن مع الأسف في الاتجاه الخطأ، وفي الزمان الخطأ»، فهل تحققت نبوءة (…) الجماعة في إخوانهم من العدالة والتنمية؟ وهل يعتبر الاتهام العلني للجماعة بكونها المحرض الرئيس لطالبات وطلبة كليات الطب، وهو اتهام غير مسبوق  يصدر عن الحكومة التي يقودها الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، علامة من علامات السير في الاتجاه الخطأ وفي الزمان الخطأ؟ بلاغ حكومة السيد العثماني، بقدر ما جاء مستفزا ومثيرا للغثيان في تقدير خصوم العدل والإحسان قبل أنصارها، فإنه أثار كثيرا من الشفقة الممزوجة بالحسرة على ما آلت إليه السياسة في هذا البلد، وهي قد بلغت دركا لا قبل لها به، ولا يمكن أن يكون ذلك بلا عواقب وخيمة تزيد الأمور تعقيدا.

البعض يعتقد أن استمرار المواجهة بين الجماعة والدولة يُضعف هذه الأخيرة، وأن الدولة يجب أن تبقى، ولو ظاهريا، فوق هذه التقاطبات، لذلك، كان من الضروري وضع الجماعة في مواجهة مع أطراف سياسية تلعب دور القفازات، وذلك حتى يصبح استهداف الجماعة يحظى بنوع من المقبولية، فهو في النهاية نوع من التدافع بين مشاريع سياسية – وهذه كذبة كبيرة بالطبع لأن مصيبة البلد أنه لا توجد فيه مشاريع سياسية – عكس تكلفة المواجهة المباشرة التي تضطر الدولة أن تخوضها مع الجماعة في أكثر من مناسبة، لكن يبقى السؤال، هل يمكن أن تصور أخنوش وساجد والعنصر مثلا، قادرون على مواجهة العدل والإحسان؟ ألا يتحول الأمر على هذا النحو، إلى مجرد مشهد هزلي وساخر، لا يُقوض الجماعة ولا يحد من امتدادها، بل يمنحها كل أسباب النجاح…، فما لا تريد أن تقبله أطراف في الدولة، هو أن ما يمنح الجماعة قوة الحضور على أكثر من واجهة، هو أن قتل السياسة ومسخ الأحزاب وتدجين النخب، ونقل «التايلورية» من مصانع السيارات الأمريكية في نهاية الخمسينيات، إلى صناعة المواقف والقرارات السياسية وبلاغات الأغلبية في مغرب 2019، هذا النهج هو ما يُعطي لجماعة العدل والإحسان ميزة عن باقي التيارات السياسية، إن وجدت، وإذا كان جزء من طلبة العدل والإحسان يساهمون في الحركة الاحتجاجية اللافتة لطلاب وطالبات كليات الطب، فهذا أمر عادي وتحصيل حاصل، لأن الجماعة هي الوحيدة اليوم التي تحمل رؤية وخطابا، مهما اختلفت معه، فإنه يظل قويا ومنسجما، وأعضاء الجماعة هم الوحيدون اليوم، الذين يؤطرون النخب الصاعدة في مختلف المجالات والميادين، بينما باقي التيارات السياسية دُجّنت بالكامل وافتقدت المصداقية اللازمة لخوض عملية الاستقطاب والتأطير، غير أنه مع ذلك لا يمكن الاستخفاف بعقول ملايين من المغاربة، والالتفاف على الملف المطلبي الجدي لطلاب وطالبات كليات الطب، في نوع من رمي الطفل مع ماء الغسيل، كما فعلت الحكومة بتحميل مسؤولية الاحتجاجات ومقاطعة الامتحانات للجماعة، دون أن تخوض في جوهر الموضوع، فليس المهم أن تكون الحكومة قطة سوداء أم بيضاء، بل المهم أن تأكل فئران المشاكل، وهو ما لا تفعله قطتنا مع الأسف…، فطالبات وطلاب كليات الطب، لا يدَّعون «القومة» ولا الخلافة على مِنهاج النبوة في ملفهم المطلبي، ولا أن الله أمر بالعدل والإحسان، بل يُسائِلون سياسة الدولة في تفكيك القطاع العام، وفي تحويل التعليم إلى تجارة، وفي تكريس طبقية التحصيل العلمي، وفي انتهازية وجبن الرأسمال الذي يبقى مشدودا إلى الربح السريع دون خوض واجب دعم البنيات التحتية، التي كان ضعفها وعجزها، مبررا لفتح أبواب الاستثمار له على طبق من ذهب، فكيف لحكومة تحترم نفسها أن تغامر بمصير 18 ألف طالب وطالبة من خيرة ما أنجبت بلادنا، فقط من أجل إرضاء حفنة من المستثمرين الجشعين.. أي جرأة هذه؟ أم إنها مجرد جبن يتلبس بالجرأة؟

ليس مهما أن نتفق أو نختلف مع مشروع جماعة العدل والإحسان، وإن كنت لا أرى في مشروع الجماعة ما يشكل إغراءً على طريق بناء دولة حداثية، لكن الحكم على هذا المشروع ومشاريع أخرى ممكنة، لا يتم سوى في بِيئة ديمقراطية. أما تحويل الجماعة، هكذا وباستسهال كبير، إلى مِشجب لكل المشاكل الاجتماعية، من حراك الريف، مرورا بحراك جرادة وملف الأساتذة «المتعاقدين»، وصولا إلى الملف المطلبي لطلبة كليات الطب، فإنه يمكن القول جهرا وهمسا، إن ذلك المِشجب لا يُجدي نفعا أمام ثقل تلك المشاكل… فالمشاكل بحاجة إلى حلول وشجاعة ووضوح، وليس إلى حركات بهلوانية تثير الحسرة…

شارك برأيك