محمد مصباح: هناك انزياح للاحتجاجات نحو العالم القروي بعدما كانت ظاهرة حضرية – اليوم 24
محمد مصباح
  • يونس مسكين

    يونس مسكين يكتب.. لهذا فشل النموذج

  • فايسبوك

    فايسبوك يحذف حسابات مشبوهة استهدفت المغرب

  • مصطفى السحيمي

    السحيمي: في بعض دوائر 
القرار هناك من اعتقد أن إضعاف الأحزاب يقوي الملكية -حوار

حوار

محمد مصباح: هناك انزياح للاحتجاجات نحو العالم القروي بعدما كانت ظاهرة حضرية

يعيش المغرب في السنوات الأخيرة على وقع احتجاجات اجتماعية قوية، ما دلالة ذلك؟

فعلا، ارتفعت في السنوات الأخيرة وتيرة الاحتجاجات الاجتماعية، التي تتنوع حسب طبيعتها وحجمها وقدرتها على التعبئة والتأثير، ولكنها تشترك جميعها في التعبير عن حالة عامة من الاستياء حول الأوضاع الاقتصادية والسياسية. من الناحية الكمية، تم تسجيل ارتفاع ملحوظ في عدد الاحتجاجات في السنوات الأخيرة، بحيث انتقل، حسب بعض الدراسات، من حوالي 12 ألف احتجاج سنة 2014، إلى أكثر من 18 ألفا سنة 2017. وهذا الارتفاع في وتيرة الاحتجاجات مرتبط بشكل أو بآخر بالتراجعات السياسية التي عرفها المغرب بعد الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2016. وفي هذا السياق نسوق ملاحظة مهمة، وهي انزياح الاحتجاجات نحو العالم القروي بعدما كانت في الغالب ظاهرة حضرية بامتياز. وهذا أمر ذو دلالة سوسيولوجية مهمة، رغم أنه لا يتم الانتباه إليه إعلاميا بما فيه الكفاية، ويحيل، أساسا، على زحف الاحتجاجات نحو الهوامش.

تأتي هذه الاحتجاجات في سياق إقليمي يتسم بثورات الربيع العربي، هل من ارتباط بين الأمرين؟

نعم، هناك ارتباط أساسي وإن كان غير مباشر بين الاحتجاجات في المغرب وبين ما يقع في الجوار الإقليمي. العنصر الأساسي هنا، هو أن هذه الاحتجاجات تتغذى على المظالم الاجتماعية والسياسية نفسها، أي الفساد والاستبداد وغياب العدالة الاجتماعية. وفي هذا الصدد، ينبغي التذكير أن احتجاجات 20 فبراير سنة 2011 تزامنت مع احتجاجات الربيع العربي. طبعا، يبقى للمغرب خصوصيته سواء في طريقة تدبير هذه الاحتجاجات آنذاك ومخرجاته، ولكن تبقى الدوافع التي أخرجت المواطنين للشارع هي نفسها، مع اختلاف في الحدة والنطاق، حسب السياق.

اتّسم تعاطي الدولة مع هذه الاحتجاجات بهيمنة المقاربة الأمنية، هل يعود ذلك إلى طبيعة النظام السياسي، أم إلى عجز الدولة عن تقديم جواب تنموي؟

هذا صحيح. فالملاحظ هو اختلاف الطريقة التي تعاملت بها السلطات مع الاحتجاجات منذ اندلاع حَراك الريف نهاية 2016، مقارنة مع ردها على احتجاجات 20 فبراير. فقد كانت المقاربة الأمنية هي المهيمنة على أسلوب تدبير الاحتجاجات هذه المرة. هناك تفسيرات عدة لهذا التغير في أسلوب تعاطي السلطات مع الاحتجاجات. التفسير الأول، يذهب إلى أن الدولة تحس بأن موجة الربيع العربي قد مرت بسلام، وبالتالي، لم تعد الاحتجاجات تشكل تهديدا. لا ينبغي أن نغفل أن تنازلات 2011 كانت مرتبطة، أساسا، بسياق الربيع العربي الذي أزاح عددا من الأنظمة السلطوية في المنطقة. وهذا السياق لم يعد موجودا بعد “نجاح” الثورات المضادة بدعم بعض دول الخليج في تثبيت السلطويات. التفسير الثاني، يمكن إرجاعه إلى البيئة السياسية الداخلية، وأساسا، إلى الطبيعة الانقسامية للاحتجاجات في السنوات الأخيرة التي دفعت الدولة نحو سلوك القمع بدل الاحتواء. فمثلا، كان يصعب على الدولة قمع احتجاجات 20 فبراير لأن كلفة القمع كانت ستكون مكلفة.

التفسير الثالث، وهو أن الدولة لم يعد لديها أي عرض أو جواب تنموي تقدمه. فموارد الدولة محدودة، وبالتالي، لا تمتلك ريعا كافيا تستطيع من خلاله شراء السلم الاجتماعي، كما أن الدولة تدرك تمام الإدراك أن النموذج التنموي الحالي عاجز، ويتميز بطبيعته الإقصائية لفئات واسعة من المجتمع، ولهذا، ربما، تلجأ إلى القمع قصد ربح بعض الوقت ورفع كلفة الاحتجاجات. قد تكون المقاربة الأمنية ناجحة على المدى القريب في ردع المحتجين، ولكنها غير فعالة على المدى البعيد، ما لم تتم معالجة جذور المشكل.

تخلو الاحتجاجات الاجتماعية من تأطير سياسي، هل يعني ذلك أنها غير قابلة لأخذ أبعاد سياسية؟

أعتقد أن الميزة الأساسية لهذه الاحتجاجات هي انفصالها عن النخب السياسية الرسمية، لا سيما الأحزاب والنقابات، وأيضا جمعيات المجتمع المدني وهذا يعكس مستوى متدن من الثقة من طرف المواطنين في هذه المؤسسات. إلا أن ذلك لا يعني أنها غير مسيّسة. فجميع الاحتجاجات ولو كانت ذات مطالب قطاعية أو جزئية إلا وتحمل مضمونا سياسيا، اللهم إذا كان المقصود هو رفع شعارات تطالب بالتغيير السياسي. صحيح أن الاحتجاجات في المغرب هي في الغالب ذات مضمون اجتماعي بارز، ولكنها ليست مفصولة عن البيئة السياسية التي تشتغل ضمنها. قد تتحول هذه الاحتجاجات من الطابع الاجتماعي نحو مطالب سياسية إذا تحققت ثلاثة شروط: الأول أن يتم مواجهتها بالقمع فقط، وثانيا أن تتمكن من بناء شبكة قادرة على التعبئة بشكل فعال، وثالثا، أن يكون هناك سياق إقليمي ومحلي مشجع على رفع مطالب سياسية. في هذه الحالة يمكن أن تتدحرج كرة الثلج، أي تنتقل المطالب من طابع اجتماعي إلى مطالب سياسية.
*مدير المعهد المغربي لتحليل السياسات

شارك برأيك