يونس مسكين يكتب.. هرم الاستبداد – اليوم 24
يونس مسكين
  • يونس مسكين

    يونس مسكين يكتب.. بنوك الإذعان

  • أنطونيو غوتريس

    غوتريس يدعو إلى رصد مستقل لحقوق الإنسان في لصحراء

  • يونس مسكين

    يونس مسكين يكتب.. اقرؤوا كتاب نبيل

الرئيسية

يونس مسكين يكتب.. هرم الاستبداد

أعادت وفاة الرئيس المصري السابق، محمد مرسي، الأسبوع الماضي، إلى واجهة الأحداث كل ما عرفته المنطقة العربية في العقد الأخير، من صراع دام بين تطلّع نحو الحرية والديمقراطية، وهذه القدرة الرهيبة التي أبان عنها الاستبداد في استعادة مواقعه. أبشع ما كشفته هذه الوفاة، هو «الحاضنة» التي يتوفّر عليها الاستبداد في المجتمعات العربية، ففضلا عن القوة العسكرية والمال والتدخلات الخارجية والتآمر الدولي، يستفيد هذا الاستبداد من عوامل قوة داخلية قد تكون أولى بالنضال والمقاومة. لننظر إلى الحالة المصرية، مثلا، وهي مجرّد مثال، ولا يعني تناولها أنها أكثر استبدادا أو أكثر استعدادا لاحتضانه من باقي المجتمعات العربية، هي فقط مناسبة، والمناسبة شرط.

هل كانت الدبابة العسكرية لتُسقط أول رئيس منتخب، وتفرض عليه طوقا من التعتيم حيا وميتا، وتدخل مائة مليون من البشر بيت الطاعة والخوف، لو لم يكن لها حلفاء؟ أليست لمثل هذه الأنظمة قواعد حقيقية تتجاوز من نسميهم عادة بالبلطجية والفلول والأتباع؟ ألا تخرج من رحم الشعوب نفسها طلائع الثورات المضادة في شكل متظاهرين وناخبين وإعلاميين و«مثقفين»، قبل أن تتدخل أصابع الخارج والأعداء؟

غير بعيد عن مصر، لننظر إلى ما يجري في ليبيا منذ 2011، وما تعيشه السودان هذه الأيام؟ هل تكفي أموال السعودية والإمارات لتبرير زحف رجل عسكري كل رصيده هزيمة مذلة في معركة قديمة في الحدود الجنوبية لليبيا لتفسير زحفه على أرض بحجم قارة، ووضعه العاصمة طرابلس بين كماشتي آلته العسكرية؟ أشك في ذلك كثيرا.

في السودان، لننظر إلى هذه السرعة العجيبة التي احتوى بها المجلس العسكري الحاكم الأوضاع، واقتاد من يفترض فيهم أن يكونوا قادة الثورة إلى استجداء فتات السلطة، وانتظار ما سيجود به عليهم، فيما حشود أعيان القبائل والنخب التقليدية تقوم بالسخرة في مهمة لإعادة تدوير النظام.

إن الفرق بين الدول الديمقراطية وتلك الرازحة تحت الاستبداد لا يمكن حصره في الاختلاف بين من يحكمون هذه ومن يحكمون تلك. إذ لا يعقل أن سبب كل هذه المأساة التي نعيشها ينحصر في مخلوقات شريرة تسلّطت على رقابنا، فيما ينعم آخرون بكرم حكام طيبين لا يظلمون ولا يتعسفون.

في التراث العربي حكمة تقول «كما تكونوا يولَّى عليكم»، وفي الأدبيات الغربية نص شهير صدر منتصف القرن الـ16 عن شاب اسمه إيتيان دولا بواتيي، أصبح مرجعا في تفسير كيف تسقط المجتمعات تحت حكم الاستبداد. هذا الشاب، الذي لم يكن حينها قد بلغ الـ18 من عمره، أثبت بطريقة فريدة أن مجتمعا ما لا يمكن أن يخضع لسلطة شخص أو جماعة بفعل القوة العسكرية والاقتصادية فقط، وأن خلف كل حالة استبداد عقل جماعي يسعى إلى حصر السلطة في شخص أو مجموعة صغيرة. هل يعني ذلك أننا شعوب «مازوشية»؟ ليس تماما، لأن «إيتيان دولا بواتيي» يشرح أن السلطة، في نظر بعض الشعوب، شرّ، وإذا كان استفراد شخص واحد بها يعني تمكينه من إمكانية التحوّل إلى شرير متى رغب في ذلك، فإن توزيع السلطة بين عدة أشخاص لا يعني، بالنسبة إلى هذا العقل الجماعي، سوى تعدد للأشرار المحتملين.

صاحب هذه المقالة المطولة تميّز عن معاصريه بتوجهه بالبحث والدراسة نحو الرعايا الخاضعين للاستبداد عوض دراسة الطغاة، وتساءل: «كيف يمكن عددا كبيرا من الناس والمدن والقرى، وأحيانا من الأمم، أن ينقاد لطاغية واحد لا يملك من السلطة إلا بقدر ما يمنحونه؟»، وخلص هذا المفكر إلى أن ما يفسّر خروج مجتمع ما من حالته الفطرية، التي هي التطلّع إلى الحرية، وبحثه في المقابل عن حكم استبدادي، يعود إلى حادثة ما ينبغي البحث عنها في تاريخ هذه الأمة. هذه الحادثة تجعل المجتمع «ينسى» الحرية ويألف الخضوع والتراتبية وهيمنة مجموعة أو فرد على البقية. هنا يصبح الخضوع جذابا، مرغوبا فيه، بل حاجة ماسة يدفع البعض حياته من أجل الدفاع عنها.

هل يعني ذلك أن الاستبداد قدر محتوم؟ «لا» يقول بواتيي، لأن هذه الحالة الناجمة عن حادثة تاريخية لا تستمر من تلقاء نفسها، بل يستمرئها الحكام، فيعملون على إدامتها عبر تنويم وإلهاء الشعوب، فمنهم من يستعمل الفن، ومنهم من يلجأ إلى الرياضة والفرجة، فيما يوظف آخرون الدين…

إلى جانب الحاكم المستبد، يرصد بواتيي وجود مجموعة من خمسة أو ستة أشخاص يستحوذون على أذني الأمير ليهمسوا فيهما، وتحت تصرفهم مباشرة 500 إلى 600 شخص يستفيدون من الوضع القائم، يوظفون بدورهم 5 آلاف إلى ستة آلاف آخرين، ما يجعل البنية الاستبدادية هرمية بطبيعتها، حيث يستبدّ المستبد بفضل شلال من المستبدين الوسطاء، الذين يقول بواتيي إنهم مستعبَدون أكثر من الرعية نفسها.

هل من سبيل للخروج من هذا الوضع؟ «نعم»، يجيب بواتيي، وينصح فقط بالعصيان المدني، وليس الثورة بالضرورة. «صمموا على الكف عن الخدمة، وها أنتم أحرار من جديد». يقوم الاستبداد على هذه الرغبة والنزوع الإرادي إلى الخضوع، وليس على قدرة المستبد على القمع. هذه الفكرة رأيناها قبل أيام تطبّق بنجاح باهر في السودان، حين أقدم الشعب على إعلان العصيان المدني، لكن التصميم لم يكن بالقدر الكافي، ويبدو أن الرغبة في الخضوع مازالت تنتصر على فكرة الحرية.

شارك برأيك