Canicule – اليوم 24

Canicule

  • القهوة بلا ما

  • الجهل المرح

كأن جهنم فتحت فرعا في فرنسا. لا حديث هذه الأيام إلا عن الحرارة المفرطة. «لاكانيكول»، التي ستستمر طوال الأسبوع. الناس هجموا على المحلات التجارية يفتشون عن المكيفات الهوائية و»الفرفارات» ومختلف أدوات التبريد المنزلي. المخزون نفذ. كل واحد يحاول أن يتدبر أمره وسط الجحيم. درجة الحرارة تتجاوز الأربعين في بعض المناطق، إذا أضفنا إليها الرطوبة… نكون قد نزلنا إلى «الدرك الأسفل من النار». نشرات الأخبار توضح للناس كيف يتعاملون مع موجة الحرارة والكل خائف من العواقب، لأن الفرنسيين يتذكرون جيدا موجة حرارة 2003، التي أودت بحياة العشرات. «الله يعطينا كلشي قد النفع».

مع «الكانيكول» أو بدونها، للفرنسيين علاقة غريبة مع الشمس. يقضون السنة وهم يفتشون عنها، وعندما تأتي ينهالون عليها باللعنات، ويتفرغون لشتم الصيف، خصوصا من لم يحالفه الحظ في عطلة على الشاطئ أو فوق الجبل. كثير منهم يعتصم في بيته ولا يغادره أبدا. ينتظر أن تمر موجة الحر بأمان،  كي يستعيد عاداته وحياته التي تتحول إلى ساعات طويلة من التأفف والحقد على الطقس والسماء.

عندما تمر موجة الحرارة، تستعيد الشمس «وضعها الاعتباري»، ويعود الفرنسيون للتعامل معها باحترام كبير، كأنها حيوان على طريق الانقراض. الكل يخاف أن تفوته رؤيتها، الكل يترقب ظهورها كما لو كانوا ينتظرون هلال العيد. يتابعون النشرات الجوية، ويفتشون عن حالة الطقس في التلفزيون والجرائد والمواقع الافتراضية، وتسمعهم يخبرون بعضهم البعض عن اليوم الموعود الذي ستخرج فيه الشمس، كما لو كانوا يتحدثون عن «ظهور العذراء». في اليوم الموعود تتغير ملامحهم. تبدو أكثر إشراقا. يخرجون إلى الساحات والحدائق، بملابس خفيفة ونظارات شمسية وأمزجة رائقة، بعضهم يدفع عربة أطفال، على ضفاف السين، والكنال سان مارتان، وحدائق لكسمبورغ…حيث ينظمون نزهات طويلة، مع وجبات خفيفة ومشروبات منعشة.

من الصعب على شخص قادم من الشمس أن يتعود على هذه الطقوس، حتى لو قضى نصف عمره هنا. عندما كنا في الجامعة، كان «تيراس» المقهى ينقسم تلقائيا إلى قسمين: قسم مشمس يجلس فيه الطلاب الأوروبيون، وقسم ظليل يجلس فيه العرب والأفارقة. أعتقد أن السنوات الأولى من عمر الإنسان تكون حاسمة في علاقته مع الطبيعة. نحن القادمون من الضفة الجنوبية، نختبئ بمجرد ما نرى الشمس، لأننا نخاف من ضرباتها الغادرة، وربما كنا نخشى الضوء، لأننا تعودنا على حياة الكهوف.

باريس رائعة في الصيف، لكن سكانها لا يتوقفون عن التعبير عن حنقهم على كل شيء ولأبسط الأسباب. الفرنسيون أبطال العالم في رياضة التأفف، لكن أكثر ما يزعج خلال السنوات الأخيرة هم المتسولون. شحاذون من كل الأعراق والأجناس والبلدان يطلبون سيجارة أو قطعة نقود. الأكثر ذكاء يعرضون شيئا ما مقابل ما يطلبون: لحن مكسر من قيثارة قديمة، أغنية بصوت رديء تزيد من بشاعته حشرجة مكبر الصوت الرخيص، قصائد ركيكة، دليل المطاعم الأكثر شعبية… المهم أنهم يعرفون أن العلاقات بين الناس أخذ وعطاء، Donnant donnant، كما يقول أهل البلاد. حتى وإن كان ما يعطيه بلا أي قيمة، المهم هو المبدأ.

عندما تغرق في دوامة الشغل، تصبح المدينة مجموعة من محطات المترو، تمر تحتها وأنت ذاهب للعمل أو عائد إلى البيت. كثيرون يقضون عمرهم في الجري من حفرة لحفرة كي لا يفوتهم القطار، وعندما يصلون يكتشفون أن القطار الحقيقي فاتهم فعلا.

شارك برأيك