اسأل سعد زغلول! – اليوم 24

اسأل سعد زغلول!

  • بركات نهر الغانج!

  • التعديل الحكومي… ليس بالإمكان أحسن مما كان!

بعد إفشال ثورة أحمد عرابي في مصر، دخل الزعيم الوطني سعد زغلول مرحلة كمون سياسي، وعاش لحظات عصيبة وهو يحاول بناء الفكرة الوطنية التي تستقطب الشعب المصري لخوض مواجهة جديدة مع البريطانيين. كان زغلول يدرك حجم الفرق بين الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، وبين ملايين الفلاحين المعدمين في قرى وأرياف مصر. سعد زغلول كان قد قبل تحمل مسؤوليات رسمية في الدولة على عهد الخديوي إسماعيل، فكان ناظرا للحقانية، ثم بعد ذلك ناظرا للمعارف، البعض كان يعتبر ذلك خيانة لثورة أحمد عرابي ولدماء سالت من رفاقه في تلك الثورة المغدورة، لكن سعد كان يعتبر ذلك أساسيا وضروريا لقطع الطريق على تلغيم الإدارة المصرية بمنعدمي الحس الوطني أو ممن لا يرجى منهم خيرا في المستقبل، لكنه لم يستطع أن يصبر طويلا على تجاوزات البريطانيين، فقاد سنة 1919 ثورة استطاعت أن تستقطب فئات واسعة من المصريين، توجته زعيما وطنيا تجاوز صداه كل الآفاق.

قاد زغلول حزب الوفد الذي تعود فكرته في الأصل إلى توكيلات للمواطنين المصريين لكل من سعد زغلول وعلي الشعراوي وعبد العزيز فهمي وأحمد لطفي السيد وغيرهم، شملت تلك التوكيلات تكليفا لذلك الوفد – من هنا جاءت تسمية حزب الوفد- ببحث كل السبل المشروعة من أجل تحقيق استقلال مصر عن التاج البريطاني، فأصبح الوفد يمثل القوة الجماهيرية الأولى في مصر، وهو ما دفع البريطانيين إلى نفي سعد زغلول ورفاقه إلى مالطا، ومنها قاد ثورة 1919 التي ستنتهي بعودته إلى مصر وخوض انتخابات سيكتسحها الوفد بالأغلبية المطلقة، ليتولى سعد رئاسة الوزراء ووزارة الداخلية وبعدها رئاسة مجلس الأمة.

لم تكن علاقات الوفد بالملك فؤاد جيدة، فبعد تولي مصطفى النحاس زعامة الوفد، عمد الملك فؤاد إلى تجاوز سيطرة الوفد على الحياة النيابية، وقام بتعيين أحزاب صغيرة لقيادة حكومات متوالية، منها حكومة زيور باشا وحكومة عبدالخالق ثروت باشا وحكومة محمد محمود باشا وحكومة إسماعيل صدقي باشا، الذي تجاوز كل الحدود عندما عمد سنة1930 إلى وضع دستور جديد، وإلغاء دستور 1923، الذي كان يعطي معنى حقيقيا للحياة النيابية في مصر، فاندلعت شرارة المواجهة مع حكومة إسماعيل صدقي.

العداء للوفد استمر إلى حين ثورة الضباط الأحرار الذين أوقفوا بصفة نهائية الحياة النيابية والدستورية في البلاد وقلبوا نظام الحكم…، عندما انطلقت ثورة 1919 رفضت الإدارة الاستعمارية تقبل حقيقة قيادة سعد زغلول لها، ورفضت بذلك التفاوض معه كزعيم وطني، فأرسلت لندن لجنة للتحقيق في حوادث الاغتيالات وفي المسيرات التي كانت تعرفها مصر، وعن عمل تلك اللجنة كتب فيلد مارشال المندوب السامي البريطاني في مصر إلى إيرل كيرزول، وزير الخارجية، رسالة يقول فيها إن المعتقلين يجيبون اللجنة بشكل استفزازي عن كل سؤال بعبارة: “اسأل سعد زغلول”….

رحل سعد زغلول ورحل الملك فؤاد كما رحل جمال عبدالناصر وبعده السادات، وبقيت مصر تندب حظها منذ أن تم إسقاط الملكية وإجهاض تجربة ليبرالية، رغم عيوبها، لكنها كانت متقدمة بشكل كبير مقارنة مع ما كانت تعرفه منطقة الشرق الأوسط والمغرب الكبير، حيث إن عددا من بلدان المنطقة كان لازال غارقا في وحل الاستعمار، بينما كانت القاهرة، واحدة من العواصم الكبرى على المستوى الدولي، بينما مصر اليوم غارقة في تجربة، لا هي بعمق الملكية وثقلها التاريخي وروحها الليبرالية، كما كان يمثلها الملك فؤاد، ولا هي جمهورية ترفع شعارات التحرير والاشتراكية والوحدة العربية، كما فعل جمال عبدالناصر والضباط الأحرار، ولا هي بنية حكم برغماتية كما كان الأمر مع السادات، مصر اليوم، بلا هوية، هي مجرد رجع الصدى لعواصم إقليمية ودولية، وبلا أفق تقريبا، حيث تتضخم الأنا بشكل غير مسبوق، وما يرافق ذلك من سلوكيات وتدجين للنخب والمثقفين، بل بلغ الأمر أن تجري صحيفة كانت اسما على مسمى، وهي “الأهرام” حوارا مع رضيع لم يتجاوز ثلاثة أشهر، إذ نشرت الجريدة العريقة حوارا مع صبي فقد والده الذي يشتغل في جهاز الأمن خلال عملية إرهابية، وذلك قبل ثلاث سنوات، لا لشيء سوى لأن الصبي حمله السيسي بين ذراعيه في إحدى الصور، في صورة دالة على درجة الإسفاف التي بلغتها بلاد سعد زغلول، الذي لا أحد اليوم في المحروسة يطاوله كقامة وطنية وسياسية فذة واستثنائية، هكذا فقدت كثير من شعوب المنطقة قيادتها ورموزها ونخبها، حيث كانت الأنظمة تعتقد أنها تنتصر عندما تحقق ذلك، بينما في الواقع تدفع ثمن ذلك غاليا عندما تجد نفسها في مواجهة مباشرة مع الشارع.

شارك برأيك