فرنسة التعليم والنقاش المغلوط – اليوم 24

فرنسة التعليم والنقاش المغلوط

  • تطوير الملكية والطريق الثالث

  • تعديل حكومي وكفاءات

يثار اليوم نقاش على خلفية امتناع العدالة والتنمية عن التصويت على مشروع القانون الإطار لإصلاح منظومة التربية والتكوين، بلغ حد المطالبة بمحاسبة القيادة على تفريطها في أحد الثوابت الدستورية والقناعات المذهبية.

لوحظ في تدبير القيادة الإقناعي تبنيها خمس حجج:

الأولى، التأكيد على أن مقتضيات القانون الإصلاحية كبيرة، وأن المادة السجالية المرتبطة بلغة التدريس، لا يمكن أن تحجب هذه الإصلاحات، ولا أن تفوتها، وأن النظرة المقاصدية تجيز تحمل الضرر الأخف من أجل تحصيل المصلحة العظمى.

الثانية، أن القانون الإطار تضمن مكتسبات مهمة للغة العربية لم تكن في السابق، وأنها ستشكل دعامة قوية للنهوض بها والتدريس بها حتى في الجامعة.

الثالثة، أن مقاومي القانون الإطار بذلوا جهدهم لتحريض المنتصرين للغة العربية على المادة 2 لتفجيره من الداخل.

الرابعة، أن المسار الذي قطعه القانون حتى إقراره في المجلس الوزاري، يعطي إشارة سياسية بأن رفضه يعني معاكسة الإرادة الملكية، وأن ذلك سيضع الحزب في مغامرة سياسية غير محسوبة العواقب. الخامسة، أن الامتناع هو الحد الأٌقصى الممكن للتعبير عن توجسات العدالة والتنمية من (المادة 2) وعدم مسؤوليته عن تمريرها، وأن أي موقف يعلو سقف عن ذلك يقتضي الخروج من الحكومة.

والحقيقة أن هذه الحجج تتنج نقاشا مغلوطا لا يساهم في التقييم الصحيح للموقف، إذ تنتج تناقضا وتشويشا يصعب فك خيوطه، إذ لا يمكن الجمع بين تعديد مكاسب اللغة العربية في القانون الإطار، واستدعاء لغة الإكراهات السياسية إنهاء مسار التعريب، وتثبت تحايلات وزارة التربية الوطنية في إنتاج مذكرات تلزم المؤسسات التعليمية بتعميم تدريس المواد العلمية باللغة الفرنسية، فالمنطق يقتضي الأخذ بخيار واحد، إما الانتصار لمكتسبات اللغة العربية في القانون الإطار، أو إبراز حجم الإكراهات السياسية.

الجواب عن استدعاء الجهات المعادية للمشروع، وكونها وراء تضخيم المادة 2، لتوريط المدافعين عن اللغة العربية في تفجيره، أن تجربة المغرب في مسار إصلاح التعليم تبين أن النخب المقاومة للإصلاح، تتمثل في لوبيات القطاع الخاص، والنخب الفرنكفونية، وقد استفادتا استفادة كبيرة من مقتضيات القانون الإطار، الأولى بتأجيل الاستقلال بمواردها البشرية ست سنوات أخرى، والثانية بالإقرار العملي بالفرنسية كلغة لتدريس المواد العلمية. صحيح أن ثمة مقتضيات قد تلزم القطاع الخاص، وأخرى تعطي الإمكانية لاختيارات في الجامعة بالدراسة باللغة العربية، لكن التناقض في السياسة في المغرب، أن القوانين التي تنتصر للغة العربية، وللتقليص من تغول القطاع الخاص، تحكمها موازين القوى التي تجعلها دائما في وضعية انتظار (أكاديمية محمد السادس للغة العربية)، بينما القضايا التي ترتبط بالفرنسة ومصالح لوبيات القطاع الخاص، تجري على الأرض حتى خارج المقتضيات القانونية. ويمكن النظر إلى مذكرات وزارة التربية الوطنية لتعميم تدريس المواد العلمية بالفرنسية قبل أن يتم الشروع في مناقشة القانون الإطار.

الدرس المقاصدي يؤكد أن المقاصد مراتب، وأن الكلي لا يمكن تفويته بالجزئي، وأن الجزئي يجوز التضحية به في سبيل الكلي، وأنه لا يجوز وضع التدريس باللغة العربية وهي القضية الكلية، وقياسها بإصلاحات جزئية تضمنها القانون الإطار. ما الفائدة من هذه الإصلاحات، إن كان الثمن تخريج نخب منقطعة عن ثقافتها وهويتها، والتمكين للنخب التي تراهن استراتيجيا على إضعاف نخب الإصلاح الوطنية بإضعاف سندها في اللغة العربية والقيم الحضارية للأمة.

النقاش الحقيقي، ينبغي أن يسكن مربع السياسة، فلا يوجد أي دليل ينهض على معاندة العدالة والتنمية للقانون الإطار، بدليل اشتغاله بإغنائه وتطويره حتى لحظة اكتماله، وأن الإشكال الذي حصل بخصوص لغة التدريس، يحتاج إلى تصحيح واستدراك، لأنه يكشف جزءا من أزمة السياسة في البلد وأزمة العمل المؤسساتي، وأن الصيغة الأصلية التي خرجت من رئاسة الحكومة، كانت تضمن التوافق، وأن تغيير الصيغة فوت فرصة الإجماع في التصويت. كما أنه ليست هذه هي المرة الأولى التي ترفض فيها النخب الوطنية مشاريع الفرنسة، فقد درجت طيلة العهد السابق لهذا الموقف باللياقة المعهودة متحملة في ذلك الكلف السياسة، ولم يستدع ذلك كل هذا الرهاب، فليس ثمة ما يبرر التخلي عن مبدأ مراجعة المسؤولين، بخصوص قضايا ترى النخب الوطنية أنها يضر بمصالح البلد، لاسيما والبلد يحظى بحكمة الاستماع والإنصات وحسن التقدير.

شارك برأيك