الزكاري: من افتراءات الزمن المغربي ومهازله.. الخطابي عميلا لفرنسا وأنصاره خونة – اليوم 24
محمد بن عبد الكريم الخطابي
  • حوادث-السير-بالمغرب

    15 قتيلا و1836 جريحا حصيلة حوادث السير بالمناطق الحضرية خلال أسبوع

  • محمد أمكراز

    أمكراز: أزيد من 117 ألف منخرط في نظام المقاول الذاتي.. 54% منهم شباب

  • DFF043D4-27E3-436C-A2A9-6FF85E0294BD

    الجزائر.. السجن 15 و12سنة لرئيسي الوزراء السابقين “أويحيى” و”سلال”

سياسية

الزكاري: من افتراءات الزمن المغربي ومهازله.. الخطابي عميلا لفرنسا وأنصاره خونة

يونس مسكين -سليمان الريسوني

أسامة الزكاري – باحث في التاريخ

إذا كنا – في هذا المقام- لا ننوي الرد على مجمل المرويات التي تضمنها الحوار المذكور، بالنظر إلى تهافتها الواضح ولتناقضاتها الصارخة ولابتعادها عن أبجديات التوثيق الإعلامي المنفتح على نتائج البحث العلمي، فإننا –في المقابل- نود التفاعل مع الفقرة الأكثر إثارة في الحوار، والتي اتهم فيها الحسين برادة زعيم حرب الريف بالعمالة لفرنسا، في اتهامات فجة لم نسمع بها من قبل، ولم نقف على ما يشير إليها لا من قريب ولا من بعيد، في حدود اطلاعنا المتواضع.

لا يتعلق الأمر بقراءة نقدية لمحكيات الحسين برادة، ولا بسعي إلى إسقاط التهمة عن الأمير الخطابي، ولا بمحاولة لتصحيح الأخطاء والثغرات التي اعترت نص الحوار، ولكنها – قبل كل ذلك- محاولة لإثارة الانتباه لمخاطر الحروب “الدونكيشوتية” التي أضحت تحفل بها الساحة الوطنية، ضد الرموز المشعة في ذاكرتنا التحررية الجماعية. وللاقتراب من معالم هذا الأفق العام، نقترح إدراج ملاحظاتنا على الشكل التالي:

أولا- لا بد من العودة إلى تفاصيل المقتطف الخاص بهذا التعليق، إذ نقرأ في الحوار:

“-هل كانت لكم اتصالات مع بن عبدالكريم الخطابي في مصر؟

لم يكن الخطابي على علم بكواليس تأسيس جيش التحرير…

لكن بعض المصادر تقول إن الخطابي ساعد في إرسال الأسلحة من مصر بالتنسيق مع شقيقه. وكانت له علاقات مع جبهة التحرير والمقاومة في الجزائر، كما ذكر الهاشمي الطود وسلام أمزيان وغيرهم في مذكراتهم؟

لم يكن للخطابي أي دور في إمدادنا بالأسلحة، بل إنه كان يتجسس علينا.

كيف كان الخطابي يتجسس عليكم؟

في أحد الأيام، أخبرنا شخص كنا نتعامل معه منذ أيام المقاومة، بأن ابن أخيه جاء من القاهرة وبأنه مرسول من طرف بن عبد الكريم الخطابي، ويبحث عن قيادة جيش التحرير. ولبلوغ غايته، اتصل بالمراقب المدني لمدينة فاس وهو فرنسي تابع للإدارة الفرنسية لكي يسهل له الطريق للوصول إلى تطوان. وبأنه إذا نجح في لقائنا سيعمل على مد المراقب بتقرير مفصل قبل بعث نسخة منه إلى الخطابي. استغربنا مما قاله واستفسرناه حول مدى يقينه من الشخص المبعوث من مصر، فأكد لنا أنه ابن أخيه ويعرفه حق المعرف.

ماذا فعلتم؟

طلبنا منه أن يأتي بابن أخيه إلينا، وعندما أحضره إلينا ضيفناه وتذاكرنا معه. وبعد الانتهاء، سألته إن كان فعلا مبعوثا من طرف الخطابي، فأجاب مؤكدا. وعندما طرحنا عليه سؤالا حول اتصاله بالمراقب المدني الفرنسي، ارتبك وحاول الإنكار… وبعد مرور أسبوعين محتجزا لدينا، تبين أنه كان طالبا في الأزهر ومن رجال الخطابي، وهو الذي كلفه بالبحث عنا في المغرب.

لماذا في نظرك، اتصل هذا الشخص بالمراقب المدني؟

كانت مهمته هكذا، أي أن يتصل بالفرنسي ليمهد له الطريق مع جميع القُيّاد والباشوات وجميع المراقبين حتى يسهل عليه الوصول إلى تطوان، وإلى قيادة جيش التحرير.

من هو هذا الشخص، وماذا فعلتم معه؟

الرجل كان معروفا حينها، ومن الأفضل ألا أذكر اسمه…  وبعدما طلبنا منه كتابة كل شيء حول طبيعة علاقته بالخطابي وسبب مجيئه والمخططات التي كان ينوي القيام بها، أقمنا له محاكمة داخلية بيننا من أجل الحكم في مصيره.

كيف قمتم بمحاكمة لتقرير مصيره؟

المحاكمة كانت مصغرة وداخلية، بيننا نحن قيادة جيش التحرير… وبعد ساعات من محاكمته قررنا قتله.

لماذا قررتم الحكم عليه بالموت؟

لأنه خائن وعميل.

لهذه الدرجة… ألم يكن الخطابي معروفا بالتواصل مع المغاربة وببعث طلبته؟

ولماذا يبعث الخطابي إلينا أشخاصا ليتجسسوا علينا…”.

انتهى نص مقتطف الحوار.

ثانيا- هذه هي الفقرة المعنية بتعليقنا المتواضع هذا، وهي كافية لإبراز درجة الخرف والهذيان التي أصابت “المقاوم” الحسين برادة، مما جعله يختار طريقة فجة لتصفية حساباته الضيقة مع رجالات العمل الوطني الذين ظلوا مصدر إحراج له، بتجاربهم وبعطائهم وبتتضحياتهم.

ثالثا- لا يحتاج السرد المذكور إلى أي تعليق نقدي، وفي المقابل أود أن أهمس في أذن الحسين برادة ببعض الحقائق الصادمة بخصوص الجرائم التي عرفها المغرب عند فجر الاستقلال السياسي، في سياق تدافع السلط والشرعيات التي ورثت تركة الاستعمار.

لقد اتخذت بعض أجنحة الحركة الوطنية قرارات إجرامية بتصفية الخصوم وكل من كان يسبح خارج “ضيعة القبيلة”. ومن دون أن أتحدث عن جرائم حزب الاستقلال في حق أطر حزب الشورى والاستقلال، أو عن جرائمه في معتقل دار بريشة وفي مركز غفساي على سبيل المثال لا الحصر، أود الحديث فقط، عن جرائم التصفية التي تعرضت لها الأطر المغاربية المرتبطة بالأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي مباشرة بعد عودتها إلى المغرب.

أقول هذا الكلام، وأنا أشير إلى أسماء تعرضت للاختطاف وللتغييب وللقتل، لا لذنب ارتكبته، إلا إصرارها على دعم انتمائها إلى مدرسة الأمير محمد بن عبدالكريم الخطابي. والغريب في الأمر، أن تصفية كل هذه الأطر كانت تتم –غالبا- تحت مبرر الخيانة والعمالة، من دون تحديد شكل هذه الخيانة وهذه العمالة. بمعنى، أن هذه التهم أصبحت يافطة جاهزة رفعها مجرمو العمل الوطني وجيش التحرير في وجه الشباب القادم من القاهرة، حيث كان الأمير الخطابي يعد العدة لإطلاق مشروع “جيش تحرير المغرب العربي”، وهو المشروع الذي كان مصدر قلق لوطنيي التسويات والمكر والدسائس، ثم الاختطاف والتعذيب والقتل.

ولعل فيما وقع لأطر هذا الجيش من تنكيل همجي على يد فيالق الوطنية المفترى عليها والمقاومة الفولكورية، خير دليل على ما نقول. ويمكن أن أذكر بعض الأسماء التي دفعت حياتها ثمنا لإخلاصها لثوابت المدرسة الخطابية، حيث وجدت آلة الموت في انتظارها مباشرة بعد عودتها إلى المغرب منتصف خمسينيات القرن الماضي، مثلما هو الحال مع كل من محمد إبراهيم القاضي، ومحمد بربر، وحدو أقشيش،…

رابعا- لكل ذلك أقول للحسين برادة، إنكم لم تقتلوا الشخص الذي أشرت إليه في حوارك من دون ذكر اسمه بعدما ربطته بالأمير الخطابي، بسبب خيانته وعمالته، ولكن لأنكم كنتم تخشون من نجاح مشروع الخطابي، الأمر الذي كان يصيبكم بحالة من الهوس المرضي، فكانت جرائم الاختطاف والقتل تعبيرا عن هذه الحالة. وللتغطية على هذه الجريمة، كانت المبررات جاهزة، وتسمياتها متعددة، من قبيل الخيانة والعمالة…

خامسا- إذا كانت هناك من حسنات لهذا الحوار/الكارثة، فلا شك أنها تنحصر في التوثيق لاعتراف “المقاوم” برادة لتنفيذ جماعته المتمثلة في قيادة جيش التحرير، لجريمة قتل أحد أنصار عبدالكريم الخطابي، بعد محاكمة صورية كانت فيها هذه القيادة خصما وحكما، وعدوا ووسيطا، ومتآمرا ومحققا. وبهذه المناسبة، أود أن أسأل “المقاوم” الحسين برادة، عن مسؤوليته في كل ما جرى، وكيف استسهل الأمر لإطلاق التهم على عواهنها. فهل من المسؤولية في شيء التراشق بعبارات “غليظة” قبل التحقق من صحتها مثل الخيانة والعمالة والتجسس… فالكلمة مسؤولية، والشهادة أمانة، والصدق موقف وسلوك.

سادسا، وأخيرا- يبدو أن سيرة الأمير الخطابي لازالت تقلق الكثير من أشباح العمل الوطني. لذلك، لا نستغرب أن يحفل الحوار بجملة من المعطيات الباطلة والوقائع المختلقة الهادفة إلى الإساءة إلى سيرة الأمير الخطابي. وحتى بالنسبة إلى الشخص المتهم بالخيانة في الحوار، فقد ظل مجهولا مادام الحسين برادة قد رفض الإفصاح عن اسمه. فحبذا لو كشف لنا “البطل المغوار” عن اسم هذا الشخص حتى نتأكد من صدقية روايته. أما الافتراء على الأشباح، فذاك أمر يسيء للسارد قبل الضحية.

وعلى الرغم من الأخطاء التاريخية الكثيرة التي تطغى على مضامين الحوار، فالمؤكد أن للأمر أهميته، إذ يساعد على توفير العناصر الضرورية للتوثيق لأشكال استمرار انتصاب صورة الأمير الخطابي مزعجة داخل المخيال الجماعي لمتآمري العمل الوطني المغربي المعاصر. هي كتابة معطوبة أضحت تثير الشفقة حيال واقع الإفلاس الشامل لقطاعات واسعة من منتسبي العمل الوطني التحرري. أما بالنسبة إلى المعطيات الأخرى التي تضمنها الحوار/الكارثة، حول محطات حركة المقاومة وإنشاء جيش التحرير، فتلك قضية أخرى لا تستحق أن نتحدث عنها…

شارك برأيك