سليمان الريسوني يكتب.. ألعاب القوى فعلا – اليوم 24
سليمان الريسوني
  • سليمان الريسوني

    سليمان الريسوني يكتب: ما الذي يحدث لنا في باريس؟

  • سليمان الريسوني

    سليمان الريسوني يكتب: لن أصالح هتلر

  • سليمان الريسوني

    سليمان الريسوني يكتب: عندما ينتقد المثقف شعبه

الرأي

سليمان الريسوني يكتب.. ألعاب القوى فعلا

الرياضة هي آخر المجالات شفافية وديمقراطية في كل العالم. ففي أعرق الديمقراطيات تطلع علينا الصحافة، بين الفينة والأخرى، بعناوين عريضة عن تورط مسؤولين عن مؤسسات رياضية كبرى في الفساد. لذلك، فعندما أسمع فوزي لقجع يتحدث عن الشفافية ومواجهة الفساد والحكامة الجيدة، ويصف «الكاف» بالأخطبوط الفاسد، ويقول إن عهد التلاعبات في كرة القدم المغربية انتهى… وعندما أرى عبد السلام أحيزون يقول إن الجمع العام لجامعة ألعاب القوى مر في أجواء «مباركة وديمقراطية»، أتحسس أعضائي لأتأكد أنني في كامل يقظتي.

وعندما أجدني صاحيا واعيا، أحاول أن أتلمس أين وكيف تصرف ملايير الملايير التي ترصد لكرة القدم وألعاب القوى، وهل لها انعكاس على نتائج ومحصلات منتخباتنا ورياضيينا؟ فلا أجد غير الريح. وحين قرأت، قبل أيام، أن أحد «الباحثين» المغاربة شكك في وجود الخليفتين أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب، نافيا توفر أي وثيقة تاريخية تثبت وجودهما الفعلي، قلت إن هذا «الباحث» كان سيكون لبحثه قيمة لو أنه حقق في وجود لقجع وأحيزون، وهل هما شخصيتان حقيقيتان، وليسا مجرد شبحين تصرف باسميهما ملايير المال العام، التي تتبخر دون أن تترك أي أثر مادي على المغاربة، باستثناء الغصة والألم الذي تخلفه الهزائم المتراكمة في نفوسهم، حتى باتوا يعتقدون أن الزمن توقف في عهد عويطة ونوال والكروج ومنتخب 1986، مثلما يعتقد أي سلفي خوارجي أن الزمن توقف مع فجر الإسلام، الذي قال لنا صاحبنا «الباحث» إن حقيقة وجود أبرز شخصيتين فيه أشبه بحقيقة وجود العملاق عِوج بن عِنق.

من يريد أن يعرف مدى شفافية وديمقراطية لقجع، فيجب ألا يسأله عن المال، لأن ذلك تخصصه الذي لا يجيد غيره، وهو قادر على تبرير أي مصاريف مهما بدت خيالية أو هدرا وتبديدا للمال. لكن، ليسأله عن طريقة وصوله إلى رئاسة جامعة الكرة راكبا على ظهر «التراكتور»، قبل أن يرد الجميل لصديقه إلياس العماري ويُركبه، رفقة صديقته، طائرة المنتخب الوطني، ومعهما، أيضا، البامي سعيد الناصري. أو ليسأله: «هل بالكرة وحدها أصبح فريق صغير، مثل نهضة بركان، بطلا قاريا؟». نحن لا نستخسر أن يكون لهذه المدينة الصغيرة فريق كبير، لكن، من حقنا أن نتساءل بل وأن نتخوف، أيضا، على هذا الفريق، آملين أن يكون الفضل في ما وصل إليه من مجد كروي نابعا، فعلا، من موهبة لاعبيه وحسن تسيير إدارييه، وليس من سلطة رئيسه. أقول هذا لأننا رأينا وسمعنا عن أندية صعدت إلى القمة بصعود رعاتها السلطويين، لكنها انهارت، كقصر رمل، مباشرة بعد انتهاء سلطتهم. لقد حدث هذا مع اتحاد سيدي قاسم في عهد الجنرال الدليمي، ومع نهضة سطات زمن إدريس البصري، ومع الكوكب المراكشي عندما كان يرأسه محمد المديوري، ومع الجيش الملكي عندما كان فريق الحسن الثاني والجنرال حسني بنسليمان المدلل، وأخيرا، وليس آخرا، مع شباب الحسيمة عندما كان يقال إن إلياس العماري يدخل إلى وزارة الداخلية بـ«الشورت» الذي يدخل به اللاعبون إلى الملعب.

أما أحيزون، فيكفي أن ننقل ما كان أبوبكر الجامعي قد قاله عنه. فهذا الصحافي، الذي خصصت مجلته «لوجورنال» 25 في المائة من أغلفتها للملك محمد السادس والمؤسسة الملكية، لأن الملك، في تقديره، هو من يملك القرار الحقيقي في المغرب، قال: «هناك صحف تتعاطى بشراسة مع السياسيين، لكنها نادرا ما تنبش في ملفات رجال المال والأعمال لاعتبارات عديدة، أهمها الخوف من حرمانها من الإشهار، ومازال الأمر -للأسف- قائما إلى يومنا هذا، فبعض الجرائد قد تجرؤ على انتقاد الملك، لكنها لا تقوى على انتقاد أحيزون». لقد تذكرت ما قاله أبوبكر الجامعي عن أحيزون عندما استمعت إلى تصريح سعيد عويطة، الذي استبق به الجمع العام لجامعة ألعاب القوى، وقال كلاما لم يقل فيه أي فكرة، قال: «إذا كان الرئيس المنتخب في الجمع العام هو عبد السلام أحيزون، فسأصفق له بحرارة.. وإن كان هشام الكروج، فسأصفق له أيضا». قد يقول قائل: «يا ليت عويطة صمت لأن ما قاله، أو –بالأحرى- ما لم يقله، لا يليق بتاريخه وحاضره»، لكن عويطة، الذي يعرف كيف تدور عجلة جامعة ألعاب القوى، كما يعرف القوى المتحكمة في «ألعاب» السياسة والمال، اختار التعامل مع المرشحين بالحكمة المغربية القائلة: «لله ينصر من أصبح».

لا أعرف كيف وعلى أي أساس تُرجمت عبارة «L’athlétisme» إلى «ألعاب القوى»، لكن ما يمكنني قوله، هو أنني لو كنت أملك سلطة إعادة تسمية الأشياء، لأطلقت على الرياضة، بكل أصنافها وأنواعها، في وقتنا الراهن، اسم ألعاب القوى؛ لأن اللعب الذي يكون أمام الجمهور يكون مسبوقا وملحوقا بلعب آخر، تلعبه قوى المال والسياسة، وتجري مقابلاته تحت الطاولات وفي كواليس الملاعب والحلبات والإدارات وأحزاب الإدارة.. وهو الأهم والمصيري، بل هو الذي يحدد النتائج؛ ليس نتائج المقابلات، بل نتائج توظيف “اللعب” للتحكم في “الجِد”.

شارك برأيك