يونس مسكين يكتب.. معركة الملك والشعب – اليوم 24
يونس مسكين
  • وقود

    تواطؤوا للاتفاق حول الأسعار.. عقوبات مالية كبيرة وشيكة ضد شركات المحروقات

  • يونس مسكين

    يونس مسكين يكتب.. بصحتكم وراحتكم

  • يونس مسكين يكتب.. هنا الرباط

الرأي

يونس مسكين يكتب.. معركة الملك والشعب

ونحن نستقبل الذكرى الـ20 لوصول الملك محمد السادس إلى العرش، لا بد أن نعترف بأننا حتى ونحن نقرأ هذا السيل من الكتابات الأجنبية، ونستقي قدرا غير يسير من الآراء والتصريحات، جلها ضمن هذا العدد، نجد صعوبة بالغة في الانحياز إلى أحد المعسكرين، بما أن جل الآراء تتوزع بين مطبّلين بلا حدود ومولولين كأنها نهاية الوجود.

فاستعراض أبرز لحظات الفعل الملكي على طول العقدين الماضيين، يجعلنا أمام ملك حامل لمشروع تقدمي في الحكم، بمعنييه السياسي والحضاري. فالملك الحالي للمغرب هو من جاء حاملا إرث والده المثقل بالخصاص والآثام، وخرج ليعانق ضحايا الماضي ويجبر مؤسسات الدولة على الجلوس على كرسي الاعتراف، والإقرار بالخطايا، والالتزام بعدم تكرارها، وهو نفسه الذي حوّل البلاد إلى ورش مفتوح للمشاريع الكبرى سعيا إلى تدارك الخصاص في الطرق والموانئ والصناعة والتجارة.

وهو الملك الذي اقتطع من مالية الدولة ملايير خصصها لمن وجدهم قابعين في هامش تنمية البلاد، وهو الملك الذي ارتدى جلباب أمير المؤمنين، وحسم خلافا كاد يقسم البلاد حول قانون الأسرة، وجمع بين حفظ ثوابت الدين وتحقيق اختراقات تحديثية عاكست تيار زمانها الذي يصب في حوض المحافظة والانغلاق.

وهو أيضا الملك الذي خرج إلى جموع المتظاهرين عام 2011 حاملا مشروعا إصلاحيا شاملا، وحافظ على جوهره رغم كل ما هب من أعاصير التراجع والنكوص إقليميا ودوليا، وهو الذي بادر أخيرا إلى العفو عن عشرات المعتقلين على خلفية الأحداث الاجتماعية التي عرفتها منطقتا الحسيمة وجرادة…

في المقابل، راكمت الخطب الملكية الملقاة في السنوات القليلة الماضية، تشخيصا شجاعا يسجّل الخصاص، ويعلن فشل النموذج التنموي، ويصارح الطبقة السياسية والحزبية بجزء من حقائقها المؤلمة. هذا الإقرار الرسمي لا يعني فشل مشروع في الحكم، بقدر ما يسجّل إخفاقات في إنجاز ما كنا نعتقد، ملكا وشعبا، أننا قادرون على إنجازه.

لا شك أن للنخب السياسية والحزبية، الجشعة والانتهازية أحيانا، والجبانة والمتخاذلة في أخرى، ولثقافة المجتمع وفساده الذي لا يختلف كثيرا عن فساد السلطة، ولممانعة أجنحة داخل الدولة في التسليم بالخيار الديمقراطي رغم الإرادة الملكية، نصيبا من المسؤولية في حرماننا اليوم مما حلمنا به جميعا قبل عشرين عاما؛ لكن العبور إلى الملكية الثانية، والذي كان يفترض أن يتحقق قبل عقدين، من خلال ميثاق جديد بين القصر وأحزاب الحركة الوطنية، ونقل اللعبة السياسية إلى المربع الديمقراطي، لم يعد اليوم ممكنا دون مواجهة «القوة الثالثة» التي تحدثت عنها الأدبيات السياسية منذ الاستقلال، لكنها اليوم أصبحت أكبر حجما وأكثر شراسة وجرأة على مؤسسات الدولة وحقوق المجتمع.

إن تلك القوة التي نظّر لها الراحل محمد عابد الجابري، وجسّدها في معسكر الراحل محمد رضا اكديرة، المرتبط بمصالح المستعمر الفرنسي السابق والمعادي مبدئيا لأحزاب الحركة الوطنية، لم تعد مجرّد طيف قابع في خلفية المشهد السياسي، يتحرّك في عمقه بعيدا عن الأضواء؛ بل أضحت هذه القوة تجد حلفاءها داخل مؤسسات الدولة وفي رؤوس أموال ظاهرها وطني وباطنها استحواذي، لا يتوانى في نسج تحالفاته العابرة للحدود. لقد استفادت هذه القوة من إنهاك القوى الحزبية الوطنية، وتخريب اللعبة السياسية، وإرباك الوعي الشعبي، وتضليل الرأي العام عبر إغراقه في التفاهة والأخبار الزائفة، وسطت على المدرسة وما تبقى من الإعلام، فعطلت محركات المصعد الاجتماعي لدفع الطبقة المتوسطة نحو اليأس والهجرة، إلى الخارج أحيانا، ونحو جزيرة الخلاص الفردي أحيانا أخرى.

لقد قالها التقرير المشترك بين بنك المغرب والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، جوابا عن تساؤل الملك صيف العام 2014 حين قال: «أين هي هذه الثروة؟». قالت المؤسستان الدستوريتان المحايدتان سياسيا إن الثروة الإجمالية للمغرب تضاعفت منذ وصول الملك محمد السادس إلى الحكم، وإن المغرب أصبح أغنى، لكن مواطنيه أصبحوا أفقر. لماذا؟ لأن النموذج القائم أغلق قنوات التوزيع الأساسية لثمار أي نمو اقتصادي، والتي هي فرص الشغل، وهكذا بات الرأسمال الخاص أكبر والمغربي أفقر، فيما السياسة عاجزة عن لعب دورها في استعادة التوازن.

وحين نجد يد هذه القوة الثالثة حاضرة ومؤثرة في مشاريع القوانين، ومشوشة في حلبات الصراع السياسي، ومربكة لمجالس التقنين، ونشيطة في لحظات الاحتقان الكبرى التي تلغّم علاقة الدولة بالمجتمع، ندرك أنها صاحبة المصلحة الوحيدة في تعطيل مشاريع الإصلاح وقطار الديمقراطية. ووحده محور الملك والشعب بقي صامدا أمام هذا الزحف، رغم محاولات تلغيم هذه العلاقة في الشمال كما في الجنوب، في السياسة كما في الاقتصاد.

نعم، مازال هذا المحور صلبا وقابلا لاستعادة المبادرة، والدليل أن كل الحراكات الاجتماعية التي عرفها المغرب، منذ الموجة الكبرى للربيع العربي، لم تتجاوز سقف الملكية ولم تقترب من شخص الملك. ورغم كل السياقات الضاغطة، من الداخل والخارج، فإن الملك حافظ، في قراراته وتعييناته، على الجوهر الديمقراطي لعرضه السياسي المقدم في خطاب 9 مارس، أي في مستوى تنظيم الانتخابات وحماية نتائجها وتعيين رئيس الحكومة، أما ما دون ذلك، من انتخاب رئيسي البرلمان وما دونهما، فهو مما تطاوله يد القوى المعادية للانتقال الفعلي إلى الديمقراطية وتتلاعب به.

هي، إذن، معركة الملك والشعب، تلك المعركة المشتركة التي صنعت قبل سبعة عقود صخرة تكسّرت عليها مؤامرات المستعمر وحلفائه في الداخل، وعادت في نهاية السبعينيات لتبعث الروح في حلم الديمقراطية في ظل الملكية والوحدة الترابية، حين تدفّقت الجموع الشعبية على الصحراء مستجيبة لنداء الملك، وهي المعركة نفسها التي تنتظر اليوم الملك والشعب لاستئناف المسير نحو حلم أتى به «العهد الجديد»، ولا نملك إلا أن نجدد الإيمان به لأنه الممكن الوحيد.

شارك برأيك