محمد الناجي: ارتباط الملكية بالمجموعات المهيمنة اقتصاديا قد يهدم رأسمالها الشرعي التاريخي – اليوم 24
محمد الناجي
  • وقود

    تواطؤوا للاتفاق حول الأسعار.. عقوبات مالية كبيرة وشيكة ضد شركات المحروقات

  • يونس مسكين

    يونس مسكين يكتب.. بصحتكم وراحتكم

  • يونس مسكين يكتب.. هنا الرباط

سياسية

محمد الناجي: ارتباط الملكية بالمجموعات المهيمنة اقتصاديا قد يهدم رأسمالها الشرعي التاريخي

في هذا الحوار يذهب المؤرّخ وأستاذ السوسيولوجيا الاقتصاديّة بجامعة محمد الخامس بالرباط، محمد الناجي، إلى أن عهد الملك محمد السادس تميز بإضعاف الأحزاب المعارضة، التي أفرغت نخبتها من أي مادة مدمرة، وأصبحت مستعدة للمشاركة في إدارة الشؤون. مضيفا «لقد أعطى الخطاب الجديد لحقوق الإنسان وإدانة ثغرات العهد القديم صورة حداثية للملكية مدعومة بالتغيرات الملحوظة في إدارة القصر»، لكن رأس المال الأولي المكتسب في الواقع نفذ وتم تبديده دون تفكير، ويشير الناجي إلى ردود الأفعال على انتفاضات الشارع خاصة على حراك الريف، والتي «تبرز فراغ خطاب حقوق الإنسان في العهد الحالي» .

كيف يمكن تقييم فترة 20 سنة التي مرت بعد اعتلاء الملك محمد السادس الحكم؟

تقييم العهد الملكي في لمح البصر لا يتم إتقانه إلا من طرف المتملقين والمداهنين وفي الأساطير. في الواقع، التقييم المنطقي أكثر تعقيدا. المُلك، علاوة على ذلك، لا يمكن مقاربته مثل رئاسة جمهورية، فالرؤساء أفراد منتخبون ولا تجمعهم صلات شخصية وعائلية، وبالتالي يمكن تقدير كل واحد منهم على حدة، بينما الملكية هي حكم سلالة، أسرة. ولا يمكن تقييم عهد ملكي على نحو جاد إذا لم يوضع في زمنه التاريخي. لذلك يجب أن نأخذ بعين الاعتبار المدى الطويل والمتوسط والقصير، الماضي والمستقبل. الرأي العام المغربي نفسه لا ينحصر في المدى القصير، فيقارن بشكل طبيعي بين عهد محمد السادس والحسن الثاني، رغم أن الخطاب الرسمي أقام قطيعة بين الاثنين من خلال صورة سنوات الرصاص. إذا رأينا من هذه الزاوية، فإن الأشياء تتغير قليلا. فلا تكفي بعض الأرقام، وبعض الإنجازات التي يتم اختيارها لتقديم فكرة واقعية عن العهد الملكي. لكن ما هي المؤشرات المناسبة لوضع تقييم موضوعي، غير مغازل؟.

كيف تحدد أنت هذه المؤشرات؟

بالنسبة للعهد الحالي، بشكل عام، التغيرات ليست مثيرة للغاية من الناحية الاقتصادية والاجتماعية. الكثير من الشباب يعاني من البطالة حسب الأرقام الرسمية نفسها، وعدد كبير من السكان يعاني من هشاشة في الخدمات الأساسية، بما في ذلك خدمات الصحة والتعليم. ومع ذلك، الأكثر إثارة للقلق يكمن في آفاق المستقبل. لقد أدى تدمير المدرسة، الذي بدأ في عهد الحسن الثاني، إلى بخس قيمة جزء كبير من رأس المال البشري. لم يتعامل الحكم الحالي مع هذه المشكلة بعمق، وبالتالي لم يوقف الاضمحلال المقصود. هذه خسارة كبيرة للاقتصاد الوطني ومؤثر سلبي على القدرة على الابتكار في بلد تشكل فيه الموارد البشرية عصب الحرب ضد التخلف. وهذا كارثة كبرى بالنسبة للمجال السياسي المحروم من نخبة مهمة قادرة على مواجهة التحديات التي يتخبط فيها البلد.

 

كيف ينعكس هذا الوضع على المؤسسة الملكية؟

لن يكون هذا الأمر لصالح الملكية على المدى الطويل ولا على المدى المتوسط. لقد قوضت، بصفتها قلب الدولة، أسس تكاثر نخبة قادرة على لعب دور عازل ممتص للصدمات ووسيط قادر على التحدث باسم السكان الذين يتواصل هيكلهم في التغير. من خلال تدمير المدرسة، قضت السلطة الحاكمة على المحاور الموثوق والمبدع على المدى المتوسط. وقد ولّدت بطريقة ما فراغا من حولها، مما عزلها عن عدد كبير من السكان ولم يسمح لها بتدبير التغييرات ولا احتواء المطلب الاجتماعي الحقيقي، ناهيك عن المطالب السياسية التي تفرضها هذه الفترة. نخبة وطنية ذات تكوين جيد لا تلعب دورها في إدارة الشؤون الاجتماعية والاقتصادية فحسب، بل يمكن أن تكون دعامة جدية للملكية، من خلال تشكيل حصن بينها وبين عالم الأعمال والمصالح، معززة فجأة مركزيتها واستقلاليتها. وهكذا أظهر النظام حدوده في التنظيم المتوسط المدى للعلاقة بين السلطة والمجتمع. مع تقليص بطانة العاهل.

 

هل يعتبر هذا الوضع الخاص بالنخبة جديدا في المغرب؟

بصرف النظر عن انكماش الحجاب الحامي للملكية، الذي أصبح شفافا أكثر فأكثر، بسبب غياب النخبة كوسيط فعال وكمدبر، تبنت السلطة طرقا لم تكن معتمدة لدى المخزن التقليدي، ولا حتى في عهد الحسن الثاني، وأصرت على عدم استشراف آفاق المستقبل وعدم الانتباه لنبضات المجتمع لبعدها عنه. يتبين ذلك أيضا من خلال طرق اتخاذ القرار وفي إدارة النتائج الأخيرة للانتخابات. لم تأخذ الملكية بعين الاعتبار الرغبة في التغيير المعبر عنها. لقد أضعفت طوعا الحزب الفائز ووضعت على رأس المؤسسات الرئيسية المفترض أن ترمز إلى الديمقراطية، رؤساء دون شرعية انتخابية وسياسية. العديد من القنوات التي كان لها دور محرك فعال لم تعد تستخدم وأصبحت مقفلة بعد أن كانت ناقلة للإرادة الشعبية.

 

وما دلالة ذلك؟

مثل هذا السلوك يوضح قطيعة السلطة الجلية مع الالتزام الديمقراطي تجاه السكان. لقد أزالت قوة المجتمع وأفرغت الشعار الديمقراطي المزعوم من أي أهمية، إلى جانب رعايتها مصالح المجموعات المختلفة التي تشكل الطبقة المهيمنة. تاريخيا، حرصت الملكية على الابتعاد عن هذه الجماعات المهيمنة اقتصاديا، حتى لا تضعف رابط الثقة وتشكك في مصداقيته. خول هذا النهج للملكية حماية دورها في الحكم على الفصائل المتنافسة وساعدها على التمييز بين النواة المركزية التي ليست موضع تفاوض، وبين السلطة التنفيذية، حيث يمكن للملكية أن تطلق العنان للمنافسة الانتخابية بشكل كامل. لكن، هناك شيء جديد نسبيا في هذا المجال، لا يعمل لصالح المؤسسة الملكية.

ما هو هذا الشيء الجديد؟

تظهر هذه الجدّة في المشاركة الملكية الواضحة والصريحة في اللعبة الاقتصادية. وتعزيز روابطها مع المجموعات المعنية، والتي ليس لها عمق وشرعية الملكية التاريخية. تستفيد هذه المجموعات المهيمنة من هذه الشرعية لتقوية نفوذها الاقتصادي على البلاد، في المقابل ترهن الملكية، التي تخسر أكثر مما تكسب. هذا الاشتراك يضعف في الواقع القيادة السياسية لهذه المؤسسة. يجب التأكيد على أن الملكية، تستمد قوتها من الهيمنة السياسية، المبنية على الشرعية الدينية. وهو امتياز يخرجها من مجال المنافسة الاقتصادية ويضعها كفاعل مركزي متفرد. بلغة حديثة، يمكن القول إن الملكية تعتبر أعلى من الطبقات الاجتماعية، لأنها غير مشاركة مباشرة بصفة رجل أعمال، في اقتسام الكعكة الاقتصادية، لكنها تقوم بدور الحَكم عليها. يتم تعزيز قدرتها على التنظيم من خلال هذا التمثيل الذي يضعها فوق كل صراع، فالعرش لغويا يشير إلى المركز الأبوي الذي ينعت به تاريخيا الملك. إن الارتباط الجلي بالمجموعات المهيمنة اقتصاديا في استغلال الثروة، يجعل الملكية تهدم رأس مالها الشرعي التاريخي الذي يتضمن من الآن فصاعدا ثقل متغيرات اقتصادية. لهذا السبب، يعد تقييم الملكية في إطار المدى الطويل هو الأكثر موضوعية. في هذا المنظور، يندرج المدى الطويل والتحليل العميق لتطور الملكية المغربية.

هل هذا الأمر تحدّ جديد بالنسبة للمؤسسة الملكية؟

الملكية هي علاقة بين الأسرة والمجتمع. هذه العلاقة، نشأت مع دور الشرفاء في الحكم منذ السعديين وخصوصا العلويين. وهذه العلاقة في بداياتها أجابت المجتمع عن ظرف معين تميز بالصعوبات الخطيرة والانقسامات المهددة للبلاد. الملكية منذ ولادتها، مرت بأوقات صعبة في المغرب حتى بداية القرن العشرين. وقد استفادت من قوتها ومرونتها. التغير الاجتماعي منذ نهاية القرن التاسع عشر وجدها منهكة في مجتمع في حالة تفكك، وانفجار مع مشاكله الخاصة من عدم القدرة على الابتكار وآثار الغزو الاستعماري. إن إعادة هيكلة الدولة وتحديثها في ظل الحماية هو ما منحها بداية جديدة في سياق مختلف عما كان سائدا في القرون الماضية. مع الاستقلال، ورثت مجتمعا جديدا، ولم يعد التنظيم الاجتماعي القبلي مكيفا مع النخب الجديدة، والصعود الحضري، والطموحات التي أعطتها المدرسة الوطنية للشباب. عهد الحسن الثاني هو تأقلم الملكية مع هذا العصر الجديد، فقد واجه الحكم صراعات خرجت منها الملكية منتصرة بثمن قمع دموي عرف باسم سنوات الرصاص. لم يتم دخول النظام الملكي إلى الحداثة في أفضل ظروف، فقد تم انتهاك حقوق الإنسان وقمع الأحزاب المحتجة من اليسار. منذ ذلك الحين، وقعت قطيعة بين الملكية التقليدية الموحدة للمجتمع القبلي، الذي يحتاج إلى قطب من التماسك والملكية في مجتمع تنضج فيه الطبقات الاجتماعية، حيث حلت الانقسامات الاقتصادية محل الانقسامات العرقية. لذلك النظر إلى الملكية كعضو في الطبقة المهيمنة، ينتج توترات حادة، تظهر بوضوح في انتفاضات الشوارع التي تقمع بعنف.

كيف تطوّر الأمر بعد رحيل الحسن الثاني؟

العهد الحالي هو امتداد للسابق فيما يتعلق بوضع الطبقات. ومع ذلك، فقد استفاد من انفتاح الملكية اللازم لمرور الشاهد بين العهدين. سُهّل هذا الانفتاح بإضعاف الأحزاب المعارضة، التي أفرغت نخبتها من أي مادة مدمرة، ومستعدة للمشاركة في إدارة الشؤون. لقد أعطى الخطاب الجديد لحقوق الإنسان وإدانة ثغرات العهد القديم صورة حداثية للملكية مدعومة بالتغيرات الملحوظة في إدارة القصر. إن رأس المال الأولي المكتسب في الواقع هو إرث وليس خطوة للأمام لكنه قد نفذ، وحتى إنه تم تبديده دون تفكير. فردود الأفعال على انتفاضات الشارع خاصة على حراك الريف تبرز فراغ خطاب حقوق الإنسان في العهد الحالي.

يؤكد تقييم الحكم من المنظور البعيد المدى على ضرورة أن تعيد الملكية وضع نفسها في أعقابها التاريخية، وأن تعيد تنظيم علاقتها بمختلف مكونات المجتمع المغربي جذريا، الفوائد التي تجنيها من المجموعات المهيمنة اقتصاديا غير ذات جدوى تقريبا من وجهة نظر مستقبلية.

 

شارك برأيك