الإدريسي: أخبرني رئيس الأمن السياسي أن جلالة الملك أمر بالإفراج عني – اليوم 24
علي الادريسي
  • هاجر الريسوني

    ضحايا التشهير- هاجر الريسوني.. استغلال الحياة الخصوصية

  • هاجر الريسوني

    مصباح: جوهر قضية هاجر سياسي يرتبط بالحريات واحترام الدستور

  • محمد الزهاري، الرئيس السابق للعصبة المغربية لحقوق الإنسان

    «ضحايا» التشهير- الزهاري.. استعملوا ابني للضغط علي

حوار

الإدريسي: أخبرني رئيس الأمن السياسي أن جلالة الملك أمر بالإفراج عني

من عمق شمال المغرب، ريف آيث ورياغل، إلى طنجة والجزائر وتونس، ثم العودة إلى المغرب: إلى جامعة محمد الخامس بالرباط، قبل أن تقوده غواية الحركة إلى كندا، نصحب الجامعي، الباحث في تاريخ الفكر السياسي في الإسلام، والدبلوماسي، علي الإدريسي، في عملية سبر أغوار ذاكرة متدفقة. في هذه الحلقات، يعيد الإدريسي بناء الأحداث، وتقييم مسارات أزمنة، واستخلاص الدروس. فـ«الحديث عن الزمن الذي عشناه وعايشنا أحداثه وظرفياته لا يعني استرجاعه، كما تسترجعه كاميرات التصوير، بل استحضارا لوقائع معينة كان لها تأثير إيجابي أو سلبي على الذات، وعلى المجتمع الذي ننتسب إليه». كل ذلك بعين ناقدة ذاتية-موضوعية، لعل في عملية التذكر تلك للزمن الذي مضى ما يفيد الأجيال الحالية واللاحقة.

قلت إن شرطة الحدود استوقفتك في باب سبتة قبل أن تحولك إلى محافظة الشرطة بتطوان، حدثنا عن ظروف توقيفك؟

أخبرتني شرطة الحدود بأن سبب توقيفي سأعرفه في الكوميسارية بتطوان. وتولدت لدي عدة احتمالات سيئة التصور؛ سواء فيما يتعلق بالتهم الجاهزة التي يمكن أن تلصق بي، أو بالمعاملة الحاطة بالإنسان التي تشتهر بها مخافر الشرطة المغربية والعربية على حد سواء. حين أوصلوني إلى مقر الكوميسارية قام المسؤول عن المداومة بوضعي في زنزانة مع تجار المخدرات، كما سبقت الإشارة إلى ذلك فيما تقدم. وبقدر ما أحسست بالضيق بسبب ذلك، فقد شعرت بقدر قليل من الاطمئنان على أن ملفي الأمني غير مصنف تصنيفا خطيرا، وهذا مهم.

دارت الاستنطاقات الأربعة التي أُخضعتُ لها داخل مكاتب الكوميسارية بتطوان، خلال 15 يوما التي قضيتها محبوسا بقبوها في إحدى الزنزانات، عن سبب عدم طردي من الجزائر في 1975، وعن علاقتي بالمعارضين المغاربة في الجزائر، وبخاصة عن الموضوعات المتداولة بيننا في تلك اللقاءات والنقاشات؟ والمعارضة آنذاك كان لها اتجاه وحيد في نظر السلطة، وهو معاداة الملكية. وسئلت عن رأيي في الملكية؟ وعن سبب اختياري دخول المغرب من باب سبتة، والهدف من زيارتي للمغرب بعد غياب دام 18 سنة، وعن علاقتي السياسية والتنظيمية بالأحزاب المغربية وبعض المنظمات كجماعة “العدل والإحسان”، و”منظمة إلى الأمام” إلخ.

 وكيف كانت الأجواء التي جرت فيه الاستنطاقات؟

كانت أفضل من جو الزنزانة الشديدة الأوساخ. كان المكلفون باستنطاقي يقدمون لي في بداية الاستنطاق القهوة أو الشاي. وأشير إلى أني لم أتعرض لأي نوع من التهديد أو التعذيب. غير أنه لم يكن يسمح لي بقراءة محاضر الاستنطاق لا قبل توقيعها أو بعدها. ويبدو أن الأمر كان متعودا عليه في مغرب الحسن الثاني. ولم أُعرض طيلة مدة الحبس على وكيل الملك أو قاضي التحقيق. وتأكدت بأن سلطة البوليس كانت أهم مما نص عليه الدستور، أو ما يقال في وسائل الإعلام الحكومية عن دولة القانون والفصل بين السلطات. كما أنه لم يسمح لي أن أخبر عائلتي عن مكان وجودي أو حبسي. ولم يسمح لي كذلك بالاستحمام أو تنظيف ملابسي، التي اتسخت بشكل مريع.

 ما الذي بقي راسخا في ذاكرتك أثناء توقيفك؟

الشيء الأول الذي أثار انتباهي هو، أن مهربي المخدرات أو تجارها كانت لهم مكانة امتيازية عند البوليس. فقد كان هناك من يتسابق لخدمتهم. والسبب معروف، وشرح الواضحات من المفضحات كما يقال. لكن الأمر الذي أثار انتباهي أكثر، حدث عقب لحظة اقتيادي لأخذ صور لي، مع تسجيل بصماتي في الطابق الثاني لمحافظة الشرطة، هناك تقدم نحوي عدد من أفراد الشرطة بلباس مدني يعرضون علي مساعداتهم وخدماتهم. وكان من بين هؤلاء العارضين لخدماتهم أحد زملائي في المدرسة الثانوية بطنجة. لكن، بمجرد ما عرفوا أن سبب حبسي له علاقة بالسياسة والجزائر، تفرقوا وغابوا واختفوا في رمشة عين، وكأن الأرض انشقت فابتلعتهم

 وماذا سجلت في ذاكرتك عن نزلاء زنزانتك؟

كنت بمثابة قيدوم الزنزانة، لأنني كنت النزيل الأطول إقامة فيها؛ لأن النزلاء الآخرين لم تكن تتجاوز إقامتهم فيها أكثر من أربعة أيام على أكبر تقدير. أما أنا فقد امتد حبسي فيها من 18 غشت إلى 1 شتنبر. ومن بين النزلاء الذين عاشروني بعض الوقت شخص في متوسط العمر، لا أتذكر سبب توقيفه، ولكني أتذكر جيدا ما رواه لي عن حبسه في فرانكفورت بألمانيا قبل شهور خلت، بسب دخول ألمانيا بطريقة غير شرعية. وملخص قصته: أنه قضى في السجن الألماني أجمل أيام حياته، فقد كانت له غرفة في ذلك السجن نظيفة ومريحة. وكل ما كان مطلوب منه هو أن يعتني بنظافتها، وفي حال العكس يحرم من الفسحة اليومية. كان له حق المطالعة داخل مكتبة السجن ومشاهدة التلفاز يوميا، أما في يوم الجمعة فكان يمنح حق الصلاة جماعيا بصفته مسلما، ويحصل على المصحف والكتب الدينية التي يطلبها، ويتناول وجبة الغذاء جماعيا مع المساجين المسلمين. وكان الأمر نفسه يطبق على أصحاب الديانات الأخرى. لم تتوقف قصة الشخص عند هذا الحد، بل أضاف بكثير من العبارات العرفانية أن طبيب السجن لاحظ تسوّس أسنانه فأحاله إلى طبيب الأسنان، الذي تكفل بعالج أسنانه بكل عناية. وقبل أن يتم العلاج صدر الحكم بترحيله إلى المغرب بسبب دخوله ألمانيا بطريقة غير شرعية. لكنه طلب نقض الحكم في الحال، متعللا بضرورة إتمام علاج أسنانه الذي بدأه طبيب السجن. وفعلا تم تأخير تنفيذ الترحيل إلى أن انتهت كل مراحل العلاج. ولذا كان شديد الإعجاب بالنظام القضائي الألماني، والمعاملة الإنسانية الراقية في سجن فرانكفورت.

 عرفت سبب توقيفك، وهل عرفت من أمر بالإفراج عنك؟

في 31 غشت أخذت إلى رئيس الأمن السياسي الشهير بـ”الديستي” وأخبرني أن جلالة الملك أمر بالإفراج عني. وبدل أن أفرح بالخبر ذهبت بي الظنون كل مذهب سيء. فأنا أعرف جيدا في ثقافتنا كيف نوظف التعابير المخالفة للواقع المعيش أو المنتظر عيشه. وكنت أتساءل مع نفسي هل يعقل أن يكون ملك البلاد نفسه هو من يقرر حبسي أو إطلاق سراحي؟ كنت أعتقد بأشياء كثيرة إلا هذا. لكن أهم ما في الأمر أنه في اليوم الموالي أُخِذت مرة أخرى إلى رئيس الأمن السياسي وسلم لي وثائقي التي سحبت مني يوم التوقيف، وحضر في الوقت نفسه رئيس الأمن الإقليمي ليبارك لي سراحي. وعندما تخطيت باب الكوميساريا كان أول سؤال وجهته لمن صادفني عن الحمام العمومي أو الدوش. أما موضوع الملك وإطلاق سراحي فقد أبعدته تماما عن ذهني وعن قلبي الذي كان متلهفا إلى رؤية والدتي وطمأنتها على حريتي وسلامتي.

 لم تصدق أن يكون الملك من أمر بالإفراج عنك؟

مرّت شهور وسنين، قبل أن تبدي لي الأيام حقيقة ما كنت لا أصدقه. ففي سنة 1990 قابلت، بعد ربع قرن من الزمن، الصديق القديم أحمد بن جلون. وطاف بنا الحديث إلى ظروف اعتقاله، وما تعرض له من تعذيب إلى أن أُطلِق سراحه سنة 1975. وأخبرني أنه أثناء مفاوضته من أجل إطلاق سراحه، وهو معصوب العينين، أن مفاوضه كان يلح عليه أن يطلب العفو الملكي، لكنه كان يرفض رفضا مطلقا، والمفاوض يصر ويهدد، إلى أن سمع صوتا يأمر المفاوض أن يترك السجين واختياره، وقال لي ابن جلون: كانت نبرة الشخص الآمر للمفاوض قريبة جدا إلى نبرة الملك الحسن الثاني.

وتشاء الصدف أن أتعرف لاحقا في الرباط على شخص من أصول جزائرية، اسمه محمد الحاج ناصر، كانت له علاقة قوية بالقصر الملكي منذ عهد محمد الخامس، وسبق له أن عمل وسيطا بينه وبين الأمير الخطابي في القاهرة (وقد ذكرت إحدى شهاداته عن تلك الوساطة في كتاب “التاريخ المحاصر”)، ذكر لي، بعد أن توثقت العلاقة بيننا، أنه طلب منه القصر تقديم شهادة عما يعرفه عن شخص علي الإدريسي، أثناء توقيفي في تطوان. فقال لي: بمجرد أن عرفت بأن لديك علاقة احترام وتقدير لعبد الكريم الخطابي استبعدت في شهادتي، التي قدمتها للقصر، أن تكون من الخونة أو المتآمرين على استقرار المغرب. وقبل شهور من كتابة هذه الذكريات علمت من مصدر له دراية بالمنهجية التي يسَيَّر بها الأمن في المغرب أيام الحسن الثاني، فأكد لي أنه كان لا يحق لأي كان أن يتخذ أي قرار في قضايا الموقوفين، أو المطلوب توقيفهم لأسباب أمنية، إلا بإذن مباشر من الملك. وحينئذ فقط صدقت ما قاله لي رئيس الأمن السياسي في تطوان قبل أكثر من ثلث قرن من الزمن.

شارك برأيك