فلسفات رشيد بوطيب الصغيرة – اليوم 24

فلسفات رشيد بوطيب الصغيرة

  • معجزة اقتصادية في قلب إفريقيا

  • التعليم العمومي وهيمنة الدولة

خلال هذا الأسبوع، أتاح لي رشيد بوطيب، الباحث المغربي في الفلسفة، المقيم في ألمانيا منذ نهاية التسعينيات، قراءة مسودة من عمله الجديد «فلسفات صغيرة: شذرات من أزمنة مقفرة». هذا العمل الذي سيصدر قريبا لدى دار نشر شمال إفريقية يحمل رؤية نقدية لقضايا فلسفية واجتماعية اشتغل بوطيب على معالجتها خلال العقدين الأخيرين منها: الإسلام، والتاريخ، والحداثة، والتنوير، والعقلانية، والثورة، والرأسمالية، والتقدم المادي، والديمقراطية، والشعبوية.

«اكتب شذرة أو اخرس. لا تثقل حمل العالم أكثر».

«في ثقافة يحكمها الإطناب، خير ترياق هو الشذرة».

هكذا اختار بوطيب أن يبرر للقارئ هذا الاختيار الصعب؛ الكتابة حول قضايا فلسفية واجتماعية معقدة بأسلوب الشذرة، وقد نجح في ذلك. وتتوسط الكتاب أيضا فقرات مطولة حول قضايا عالجها المؤلف في مقالات مطولة نشرت في مجلات وجرائد سابقا، فهو دائم الكتابة والنشر ومتابعة ما يثار من أسئلة في السياقين الغربي والشرقي.

لم تبعد الغربة بوطيب عن قضايا وطنه الأم المغرب، رغم أن الوطن حسب إحدى شذرات الكتاب أشبه بحفرة ضيقة: “الوطن.. أتذكره كما أتذكر حفرة ضيقة”، ويميز الكاتب بين وطنين؛ “الوطن كهوية” و”الوطن كتجربة”، وما يربطه بالأول هو الحنين، لكن “الحنين إلى البلد الأصل، لا يعني بالضرورة الرغبة في الانتماء إليه. إن الحنين منطق غير عقلاني، واستراتيجية من لا حول له ولا قوة، وهو في النهاية لا يكفي لكي نعيش حياة كريمة، ونبني مجتمعا حراً”، يقول بوطيب.

أما موضوع الديمقراطية، فمن المواضيع التي أفرد لها بوطيب مساحة مهمة من عمله الجديد هذا، مستحضرا مقولة المسرحي والشاعر الألماني برتولت بريشت «كل السلطات تنبع من الشعب، لكن في أي واد تصب؟”. يكتب بوطيب أن سخرية بريشت هذه ليست مجانية، «بل هي سخرية تسائل طبيعة النظام [الديمقراطي] نفسه. لكن نقد النظام الديمقراطي سيتحول اليوم إلى ممارسة شعبوية.» وهذا الأمر أصبح واقعا عالميا الآن، فالشعبويون الذين يقوضون الديمقراطية من خلال نقدها، إنما يبحثون عن أقصر الطرق للوصول إلى السلطة والاستئثار بها. ومن أمراض الديمقراطيات التي عالجها الكتاب أيضا “الكذب”، مستحضرا فكرة «حنة أرندت» أن الكذب ممارسة شائعة في الأنظمة الديمقراطية، أيضا، من خلال وسيلة “الإشهار التي تسللت إلى مناهج البروبغاندا الداخلية للدولة”، ولا تقتصر على الأنظمة الشمولية فقط.

أما النقاش حول اللغة، فيرجعه بوطيب إلى الصراع بين «القومجيين والمتأسلمين وسدنة المعابد التراثية الذين يتحدثون عما يسمونه «الاستلاب اللغوي»، حتى يغطوا على الاستلاب الحقيقي الذي استبدل العدالة بالهوية”، فالصراع حول اللغة صراع سياسي، والحاكم يحسم النقاش لما يخدم مصلحة سلطته. ففي منظور بوطيب “إن المحكوم لا يملك لغة، بل إنه يخاف لغته الفردية ويمعن في كبتها، فهو يعيش خارج اللغة لأنه يعيش خارج الحرية.»

عن “الحرية” يقول صاحب “الحلم الألماني” (منشورات المتوسط، 2017): «كلما عبر إلى الضفة الجنوبية للمتوسط، إلا وشعر بشيء جذري يتغير بداخله. يموت الواجب الكانطي ومعه كل أوهام الحرية، ويستيقظ العبد القديم». في إحدى الشذرات، وفي أخرى “الحرية في الوطن جريمة والقلق هرطقة ومالك الحزين لم يغادر مقعده الجانبي في مقهى الحي، وأنه مازال يحلم برحلة أخيرة إلى الضوء”.

يستحضر الكتاب، أيضا، سيرة الماوي المغربي جميل، الذي وصل فرانكفورت عشية ثورة 1968 الطلابية، وكيف انتهت أحلامه بصين تملأ العالم عدلا إلى سراب، وانتهى عالمه الخاص إلى منفى لا يعرف إلى أين سيغادر هربا منه. كما يتضمن سيرة ذلك الجندي الذي انضم أولا، إلى جيش عبدالكريم، ثم بعد ذلك إلى جيش فرانكو، لينتهي به المطاف في جيش الاستقلال وليموت ذات صباح دون جلبة وتنتهي بندقيته بيد تاجر مخدرات.

شارك برأيك