اسماعيل حمودي يكتب.. من أجل نموذج تنموي يشبهنا – اليوم 24
اسماعيل حمودي
  • اسماعيل حمودي

    إسماعيل حمودي يكتب.. قرار نبيل

  • سعد الدين العثماني رئيس الحكومة

    في اجتماع احتفائي.. أمانة «البيجيدي» تبحث محفزات انطلاقة جديدة

  • محمد بنشعبون

    هذا ما دار بين الحكومة والنقابات حول مشروع قانون المالية لـ2020

الرأي

اسماعيل حمودي يكتب.. من أجل نموذج تنموي يشبهنا

تترقب النخب، في مختلف المواقع، تشكيلة اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي، التي أعلن خطاب ثورة الملك والشعب، لـ20 غشت الماضي، أن تعيينها سيكون “قريبا”، وهي الإشارة التي يُفهم منها أن الإعلان عن أعضاء اللجنة سيكون قبل الدخول البرلماني، وبشكل منفصل عن التعديل الحكومي والتعيينات المرتقبة في المؤسسات والمقاولات العمومية.

في هذا السياق، يسود خطاب “اقتصادوي” حول ما ينبغي أن يكون عليه هذا النموذج التنموي الجديد، بحيث يكاد يحصر النقاش التصوري في البعد الاقتصادي، وحتى التقني الصرف، ومن ثم يجري الترويج لأسماء معينة، بزعم أنها المؤهلة لبلورة النموذج المأمول، كما حدّدت عناصره الخطب الملكية الأخيرة، والحال أن هذه الشخصيات صارت مستهلكة، إذ لم تعد قابلة للاستعمال في لحظة استراتيجية مثل التي نحن بصددها، وإذا كان البعض يسعى إلى إعادة تدويرها، فإن الاستجابة، لذلك، قد تكون رسالة سلبية منذ البداية، لأن المغاربة ملّوا من هذه الوجوه “المحروقة” التي تتصدر المواقع الاستراتيجية دون جدوى.

من المفيد إذن، إدراك أن المغاربة اليوم، هم بحاجة إلى لحظة للتداول العمومي الواسع، بل إلى أوراش مفتوحة خلال مدى زمني معقول للتفكير الجماعي، فيما ينبغي أن يكون عليه المغرب خلال العقدين المقبلين، ومن أجل ذلك، يبدو لي من الأفضل استحضار المحددات التالية:

أولا، أننا إزاء لحظة للتفكير الاستراتيجي الذي يتجاوز الزمن الانتخابي والحكومي، وبالتالي، يتجاوز حقل السياسات العمومية إلى مجال الاستراتيجية. وبناء على ذلك، فإن المهمة الأساسية للجنة ستكون بناء مرجعية مغربية طويلة الأمد نسبيا، قادرة على منح المعنى الاستراتيجي للسياسات العمومية والقطاعية التي هي من اختصاص الحكومة، ولعل ذلك يسهم في تجاوز حالة الشتات والتضارب وضعف التنسيق بين المخططات والبرامج القطاعية التي يزيد عددها على 65 مخططا وبرنامجا.

ثانيا، الحذر من أنصار المقاربة “الاقتصادوية”، التي تتصور أن جوهر ما في النموذج التنموي الجديد هو الجانب الاقتصادي والمالي، أساسا، وهذا التصور، علاوة على أنه اختزالي وضيق لمفهوم النموذج التنموي، لن يجيب عن الإشكالات الاقتصادية والاجتماعية، وعلى رأسها العدالة الاجتماعية والمجالية. إن بلورة نموذج تنموي جديد، كما تفيد بذلك تجارب مقارنة، لا ينبغي أن يظل حبيس ما هو اقتصادي ومالي صرف، بل ينبغي استحضار البعد الشامل والمركب للمفهوم، وأساسه أن “التنمية حرية”، وستظل ناقصة في ظل هشاشة الخيار الديمقراطي، وضعف دولة القانون، وضعف القدرة على مواجهة ثلاثية الجهل والمرض والفقر.

ثالثا، إن التفكير في نموذج تنموي، يكون أساسا لانبثاق عقد اجتماعي جديد، لا يمكنه أن يغفل أو يتجاهل حالة الانتظارية العامة في المجتمع، وربما هي حالة يأس عامة مافتئت تتمدد، ويُرجّح أنها ناتجة عن شعور جماعي بأن الإصلاحات التي وعد بها دستور 2011 قد تم الالتفاف عليها، ما جعل مستوى الثقة بين فئات المجتمع والمؤسسات متدنية. وفي ظل وضع كهذا، ينبغي أن يكون التشاور حول النموذج التنموي فرصة للتفكير في كيفية الخروج من حالة الانتظارية هاته. إن الأمر يتعلق في العمق بتجديد المشروعية، وهي قضية استراتيجية بالنسبة إلى النظام والمجتمع، كذلك، في ظل وضع إقليمي ودولي مضطرب.

رابعا: تحتاج المحددات السابقة إلى مقاربة تشاركية في إعداد النموذج وصياغته، مشاركة واسعة للنخب، والأحزاب، والنقابات، والمجتمع المدني، والجامعات، والشباب، بل ينبغي أن تكون هناك الجرأة للاستماع إلى القوى والأصوات المعارضة. إن نموذجا تنمويا جديدا لا يشعر المغاربة أنه منبثق منهم، بل نموذجهم الخاص، سيكون مصيره الفشل الذريع. ولذلك، لا يكفي أن تعقد اللجنة جلسات استماع مع مختلف الفاعلين، لأن الأمر لا يتعلق بعملية تنفيس جماعية، بل أن يشعر الجميع بقدر من الجدية والمصداقية، وهذا غير ممكن بدون فتح النقاش حول القضايا الحيوية، في السياسة والاقتصاد والثقافة والدين والاجتماع، وأن يكون ذلك على الملأ، وليس وراء الأسوار المغلقة.

خامسا: إن استحضار البعد الاستراتيجي المتجاوز للزمن الانتخابي، وكذا البعد الشامل للتنمية المتجاوز للمقاربة الاقتصادوية، والحاجة إلى عقد اجتماعي جديد بين الدولة والمجتمع، وفق مقاربة تشاركية واسعة، يتطلب لجنة بمواصفات تؤهلها لتحقيق تلك الرهانات الكبرى، وأول شرط في ذلك أن يتمتع أعضاء اللجنة بالمشروعية والمصداقية لدى المواطن، بعيدا عن الوجوه المستعملة، إلى جانب الكفاءة والقدرة طبعا. المغاربة لن يتفاعلوا مع لجنة من بين أعضائها وجوه “محروقة”، أو تشير إلى بعضهم الأصابع بالسلب لأي سبب كان، بل يريدون وجوها تشبههم وتشعر بمعاناتهم، تتوفر على الكفاءة لكن الأهم أن تكون حاملة لرؤية ولها موقف، بالشكل الذي يمنحها القدرة على التفكير الاستراتيجي الذي يسمح لها بالإسهام في بلورة مشروع مغربي- مغربي، حامل لأحلام وتطلعات المغاربة في أفق 2040، على الأقل.

شارك برأيك