البنوك الإسلامية في المغرب.. عثرات البداية أم سراب يتبدّد – اليوم 24
نقود
  • المسيرة الخضراء

    الذكرى 44 للمسيرة الخضراء.. عام استعادة المبادرة

  • يونس مسكين

    يونس مسكين يكتب: فرصنا الثمينة

  • الإجهاض

    الـ‏CNDH يفجّر ألغام القانون الجنائي في وجه البرلمان

سياسية

البنوك الإسلامية في المغرب.. عثرات البداية أم سراب يتبدّد

قبل بضع سنوات من الآن، كان بعض الفاعلين السياسيين والاقتصاديين، يقدّمون البنوك الإسلامية التي لم يكن المغرب قد رخّصها بعد في منظومته المالية، كعصا سحرية ستجعل صناديق الكنوز الكامنة في بطون الصناديق المالية والسيادية المعتمدة على النمط “ألتشاركي”، تتدفّق على السوق المالي المغربي. أكثر من خمس سنوات من الشد والجذب والمعارك القانونية والسياسية، توجّت أخيرا بظهور أولى البنوك التشاركية، وهي خمس مؤسسات جديدة بالضبط، لكن النتيجة المسجلة حتى الآن، أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها مخيبة للآمال.

التقرير الأخير لبنك المغرب حول عملية الإشراف البنكي التي يتولى القيام بها، كشفت معطيات لم يكن أي من أنصار الترخيص لهذه البنوك الجديد يتوقعها. ففي نهاية العام 2018، يحصي بنك المغرب فتح 56 ألف حساب بنكي جديد في هذه المؤسسات المالية الجديدة، مقابل ملايين الحسابات في البنوك التقليدية. مجموع التمويلات التي صرفتها البنوك الجديدة بعد إحداثها، لا تتعدى 4.5 مليار درهم، ما يجعل حصة البنوك “الإسلامية” داخل مجموع المنظومة المالية المغربية لا تصل إلى 0.5 في المائة.

العاملون في بعض هذه البنوك الجديدة، وخاصة منهم بعض مسيريها، يرفضون اعتبار هذه المعطيات مؤشرات للفشل، ويصرون على  أنها مجرد خطوات أولية في مسار طويل. فيما يذهب خبراء أمثال إدريس الفينة، الذي نحاوره في هذا الملف، إلى أن “لوبي” البنوك التقليدية في المغرب، أجهض مشروع البنوك التشاركية في مهده، وأغلق أمامه منافذ التطور في مرحلة التأسيس.

دراسة ميدانية أنجزها البنك الدولي حول القطاع البنكي في المغرب قبل أربع سنوات، كشفت أن معظم المستجوبين لا يعرفون شيئا عن البنوك التشاركية، وهذا ما اعتبره المراقبون طبيعيا حينها، بالنظر إلى أنها لم تلج بعد السوق المالي المغربي، وقال 65 في المائة إن هذه الخدمات غير موجودة في أماكن إقامتهم. لكن المثير في تلك الدراسة، هو أن نسبة كبيرة من المستجوبين قالوا إنهم لا يعرفونها، ولا يرغبون فيها، وذلك عكس استطلاعات رأي أخرى أشارت إلى وجود انتظارات لهذا المنتج.

فقد أظهر الاستطلاع، الذي شمل 3 آلاف شخص، أن 10 في المائة لا يرون أن هذه التعاملات أصيلة Dont trust authenticity ، و32 في المائة يرون مخاطرها أكبر، و36 في المائة يرون أن عائداتها على الاستثمار ضعيفة، و48 في المائة يرون أنها باهظة، و65 في المائة يقولون إنها غير متوفرة في المكان الذي يعشون فيه، و69 في المائة صرحوا بعدم معرفتهم بها، و80 في المائة قالوا إنهم غير محتاجين إليها.

دراسة أخرى أنجزها بنك المغرب بعد بدء العمل بالبنوك التشاركية، أكدت محدودية الاستعمال والمعرفة بالخدمات المالية الإسلامية، في المغرب، وضعف الطلب عليها، والمعرفة بها، موضحة أن عدم توفر هذا المنتج هو أكثر المبررات التي سيقت عن عدم استعماله. وحسب دراسة بنك المغرب، فإن 18 في المائة من المستجوبين صرحوا باستعمالهم المنتجات الإسلامية خاصة المرابحة، وأن 10 في المائة الذين قالوا إنها ليست معاملات أصيلة “لا يشكل عائقا أمام استعمالها”. وجاءت هذه النتائج في وقت كان يبدي فيه لوبي البنوك التقليدية مخاوف من منافسته من البنوك الإسلامية.

هذه المخاوف تكاد تكون كلمة السر في هذا الشأن، ففي منتصف العام 2015، تحدّث والي بنك المغرب، عبداللطيف الجواهري، في ندوته الفصلية المعتادة، بكثير من التحفّظ والحذر عن البنوك التشاركية التي يفترض أن تلج السوق المالية المغربية في وقت قريب حينها، في مقابل تعبيره عن الدعم الكبير والمرافقة الدائمة للبنوك المغربية الثلاثة الكبرى الآخذة في اكتساح الأسواق الإفريقية. الجواهري كان حريصا على تأكيد عدم الرغبة في الترخيص لعدد كبير من البنوك التشاركية في البداية، وأن أولى التراخيص لن تصدر قبل العام 2016، وهو ما سيتحقق بالفعل لأن أولى البنوك التشاركية لن تظهر إلا في 2017.

“ما يهمني أنا هو تمويل السوق وتوازنها ومصلحة البلاد، أما المستثمرون فما يهمهم هو الربح، يجيو عندنا وسننظر في الملفات ثم نقرر، لكن ما يهمني أولا، هو مصلحة البلاد”، قال الجواهري في ندوة يونيو 2015، وأمام إصرار الصحافيين على معرفة عدد الرخص التي ينوي بنك المغرب منحها، قال الجواهري إن “الأفضل هو الانطلاق بعدد قليل ثم يمكننا أن نوسّع، بينما يصعب جدا سحب الرخص بعد منحها، حيث سيكون ذلك سيئا جدا لصورة المغرب في حال عدم التزامهم بدفاتر التحملات والتعهّدات التي يقدمونها من حيث الاستثمار وتشغيل المغاربة، لهذا يجب أن نكون حذرين ما أمكن وإبقاء الأمور تحت المراقبة”.

وفي الوقت الذي تحوّل فيه موضوع الترخيص للبنوك الإسلامية إلى واحد من جبهات الجدل السياسي، بعد اتهام حزب العدالة والتنمية لبنك المغرب بتعمد تأخير هذه التراخيص إلى ما بعد انتخابات أكتوبر 2016، كشفت مصادر خاصة عارفة بطبيعة الملفات التي كانت معروضة على دركي القطاع المالي، أن البنوك التي يستحوذ الفرنسيون على غالبية رأسمالها، كانت الأكثر تحفظا تجاه هذه المنتجات الإسلامية. ففي الوقت الذي عمدت بعض الأبناك المغربية إلى الدخول في شراكات مع أخرى خليجية لإحداث فروع إسلامية لها، وفضّل البعض الآخر تأسيس فروع دون حاجة لهذه الشراكات، اتّسمت ملفات البنوك التي يملك فرنسيون غالبية أسهمها باقتصارها على طلب الترخيص بإحداث “نوافذ” خدماتية مخصصة لهذه المنتجات، دون تأسيس فروع جديدة خاصة بها.

تحفّظ البنوك التقليدية على منافِستها التشاركية، لم يكن دائما سرا مكتوما، بل أظهرته للعلن مداولات المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي حول مشروع قانون البنوك الإسلامية، وذلك عندما أحاله عليه مجلس المستشارين لإبداء الرأي. تلك المداولات عكست التحفظ الكبير الذي أبدته البنوك التقليدية أمام فكرة الخدمات التشاركية، والتي ستفرض عليها منافسة جديدة.

فبعد قرابة شهرين من إحالته عليه من طرف مجلس المستشارين، خلصت اللجنة الدائمة المكلفة بالشؤون الاقتصادية والمشاريع الاستراتيجية، إلى رأي أبرز خلاصاته، جاءت مرحّبة بخطوة إحداث “البنوك التشاركية”، واعتبرت ذلك تنزيلا للمقتضيات الدستورية التي أكدت المرجعية الإسلامية للمغرب، ونوّهت بإسناد مهمّة النظر في مطابقة المنتجات المالية الجديدة، للضوابط الشرعية التي تجعل منها منتجات “تشاركية”.

في المقابل، تضمّنت التوصيات التي خلصت إليها اللجنة الدائمة المكلفة بالشؤون الاقتصادية، سلسلة من المقتضيات الرامية إلى حماية النظام البنكي التقليدي والمؤسسات القائمة حاليا، من الأضرار المحتملة لدخول الفاعلين الجدد المتخصصين في تقديم القروض والتأمينات “الإسلامية”، بالإضافة إلى تعزيز وحماية مكانة بنك المغرب باعتباره المؤسسة العليا المكلّفة بضبط وتقنين المجال البنكي، وعدم “إضعافه” بمنح مجلس المنافسة صلاحيات تتداخل مع مجال عمله. وشدّدت الوثيقة التي طلبها مجلس المستشارين خلال مناقشته لمشروع القانون، على تضمين النص التشريعي مقتضيات جديدة تشدّد من إجراءات حماية الزبناء وتمكينهم من كلّ الضمانات التي تكفل لهم الحصول على المعلومات والحماية من الشروط المجحفة والمضرة بهم ضمن عقود القروض والتأمينات. وذهب الرأي إلى التوصية بتخصيص جزء من القانون الخاص بالبنوك التشاركية لحماية المستهلك، والتنصيص على الضوابط التي جاءت بها منشورات ومذكرات بنك المغرب لتصبح لها قوة القانون. فهل كان ذلك كله حرصا على مصلحة الزبناء، أم حماية للوبي البنكي القائم؟

شارك برأيك