بلال التليدي يكتب: مخاطر سياسة التغطية على المخاطر – اليوم 24

بلال التليدي يكتب: مخاطر سياسة التغطية على المخاطر

  • بلال التليدي يكتب: كلمة بنكيران وبلاغات الأحزاب الثلاثة

  • بلال التليدي: في «الوليمة» وأثرها السياسي

هناك أكثر من سبب يدفع الذين يتخوفون من انهيار أسس السلم المجتمعي إلى دق ناقوس الخطر، فالدين حين يمس،أو حرمة الملك حين تُنتهك، تدفع النخب التي تدرك طبيعة التكوين السياسي والثقافي للمجتمع لإعلان النذير.

لكن، هل نتوقف عند حدود التحذير، أم يتحمس الوجدان لإعلان الشجب، أم أن الأمر يستدعي طرح سؤال الوعيبمحددات هذه الظواهر؟

قد يعترض البعض على الجمع بين قضيتين لا ترابط بينهما في الواقع: رفع التجريم عن العلاقات الجنسية الرضائيةفي المجتمع، والجرأة على الملك في التعبيرات الغنائية أو السياسية.

والحقيقة أن هذا الاعتراض وجيه، فالقضيتان تبدوان في الظاهر متمايزتين، فما الذي يجمع من ينتصر للحرياتالفردية، بمن سمح للتعبير عن المأساة الاجتماعية أن يقوده للمس بحرمة الملك؟

تكوين الدولة الدستوري والسياسي، يجعل قضيتي الدين والملك، ضمن دائرة واحدة (إمارة المؤمنين)، لهما الدرجةنفسها من الشرعية، لكن، ما الذي يجعل إعلام الدولة ينتج خطابين متناقضين إزاءهما، الأول، ينتصر للحرياتالفردية، والثاني، يحصن حرمة الملك.

سؤال يصعب تفكيكه دون معرفة السبب الذي يدفع البعض للجرأة على الملك وانتهاك حرمته؟ وكيف يتم فهم هذهالظاهرة، وكيف يتم التعاطي معها؟

لننتبه أن الجرأة السياسية تأتي من ثلاثة حقول: حقل المجتمع السياسي غير الحزبي، وحقل التعبيرات الفنية، وحقلالملاعب الكروية.

أستعمل مصطلحالحقلبدلالته الصراعية كما استقرت في أدبياتبورديو» للتأكيد على التحولات والتفاعلاتداخل هذه الحقول، وكيف آل التحكم في بنياتها الهيكلية إلى انفلات ظواهر من تحت عباءتها، لا تكتفي بالنقد ضمنالأطر المرعية، ولكن تتجاوز الحدود والبنيات وحتى الأطر الدستورية.

لنتأمل أغاني «إلترات» الرجاء والوداد البيضاويين، وأغنيات إلترا اتحاد طنجة التي أعقبتها، ثم لنتأمل لغة تعبيرات(الراب) الغنائية القاسية، ولنقس ذلك بتعبيرات حراك الريف وغيره، المتجاوزة للسقوف المتوافق عليها.

ليس هناك سبب وجيه يبرر التقليل من هذه الظواهر، وتحولاتها العميقة، ولا أظن أن الاعتبار الأمني، الذي يبنى دائماعلى الاحتمال الأسوأ، تجاهل قراءة تصاعد وتيرة هذه التعابير. لكن، مع ذلك، يغيب الفهم والوعي بالظاهرة، ويحاولالكل الاختفاء وراء الشجب والتنديد، حتى يتهرب من مواجهة هذا التحدي.

ليس ثمة شك ولا أدنى تردد، في أن بعض هذه التعبيرات أضحت مضرة، ومهددة للأسس، لكن، ثمة ما يشبه الرفضالمطلق للربط بين سياسة الضبط والتحكم، وبين النتائج الخطيرة التي ينتجها، مع أن البعض كانت له في الآونةالأخيرة الجرأة للقول بأنه ليس هناك كلفة لاستهداف المخالفين الذين يصوغون معارضتهم بأناقة، سوى أن تنشأشريحة، لم تتدرج في مستوى التعليم بشكل كاف، أو لم تستأنس التفكير ضمن الأطر الدستورية، ولا التعبير ضمنحدود اللياقة، تعبر عن طموحاتها وتطلعاتها بقسوة شديدة، وبلغة صادمة، تجر وراءها دمارا هائلا.

مفارقة عجيبة في مقارنة سلوك إعلام الدولة في الحالتين، المحافظة الشديدة في صيانة حرمة الملك، والتحررية الزائدةوإعلان الحرب ضد «المحافظين» في قضايا اعتبر الملك أن صفته كأمير المؤمنين تمنعه من أن يحرم فيها حلالا أويحل فيها حراما. البعض، سيخلص من المقارنة السريعة، بتجزيء مفهوم الحرية في سلوك السلطة، فتتسامح معالحريات الفردية، وتتنكر لصور من الحريات السياسية.

لكن المشكلة في تقديري تتعلق بالوظائف التي تعلب القضايا الاجتماعية ضمن حقل سياسي، أكثر مما يتعلقبتمثلات مفهومية.

الظاهر، أن الموقف من الحريات الفردية يجعل الملكية والإسلاميين على أرضية واحدة، فلماذا إذن، يخوض إعلامالدولة حربا ضد الإسلاميين في هذا الموضوع؟ ليس هناك من تحليل مقبول في هذا الإطار سوى استصحاب الوظيفةالإيديولوجية للصراع، فثمة حاجة لدى السلطة إلى إشعال نقاش ما، بحدة وحيوية وقوة استقطاب لخلق جاذبيةمجتمعية في موضوع هامشي، على الأقل بالنسبة إلى الدولة، التي حسمت أمرها في هذا الموضوع، للتغطية علىالرسائل التي تبثها تلك الظواهر المسترسلة، لاسيما ما يتعلق بالربط بين سياسات التحكم ونتائجه الكارثية. وليسهناك مرشح أكبر لإضفاء حيوية على هذا النقاش أكثر من الإسلاميين.

النتيجة التي يفر الجميع منها هي أن التحكم في مختلف الحقول، لم يؤد فقط، إلى ضعف منظومة الوساطة، بل أنتجظواهر خطيرة تمس الإجماع، وبدلا من معالجة الظاهرة بمراجعات سياسية عميقة، يتم استصحاب تكتيكات إغراقالجمهور بنقاشات قيمية، لخلق دينامية وهمية تعطي صورة مصطنعة عنمجتمع ديمقراطي» أو للتهرب منمواجهة آثار سياسات فاشلة.

شارك برأيك