سليمان الريسوني يكتب: قهوة الفلانخيين الجدد – اليوم 24
سليمان الريسوني
  • سليمان الريسوني

    سليمان الريسوني يكتب: حاسبوا أخنوش بما قاله

  • سليمان الريسوني

    سليمان الريسوني يكتب: ما الذي يحدث لنا في باريس؟

  • سليمان الريسوني

    سليمان الريسوني يكتب: لن أصالح هتلر

الرأي

سليمان الريسوني يكتب: قهوة الفلانخيين الجدد

الفاشية تحاصر المغاربة في إسبانيا من كل الجوانب. حزب فوكس القومي المتطرف يطيح بالحزب الاشتراكي العمالي في سبتة ويتجاوزه في مليلية، ويبسط يديه على الأندلس، وينقض على ثلاثة مقاعد في مرسية التي تضم آلاف العمال المغاربة، ضمنهم المئات دون أوراق، ثم يصل، بشكل غير مسبوق، إلى كتالونيا، التي تعرف أكبر تمركز للمغاربة في إسبانيا، ويحصد مقعدين برلمانيين فيها.

في سبتة، وبعدما كان الاشتراكيون قد حصلوا، في انتخابات أبريل الماضي، على نسبة 82.96 في المائة من الأصوات، ها هو فوكس، وفي أقل من سبعة أشهر، يختطف المقعد البرلماني الوحيد في المدينة المحتلة. وبقراءة سريعة لنتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة في سبتة، نجد أن فوكس فاز في كل الدوائر باستثناء دائرتي «Benzû» و«Príncipe» اللتين يشكل المغاربة، أو المسلمون كما يحلو للإسبان وصفهم، أغلبية ساكنتهما، وهذا المعطى يحتاج إلى أكثر من قراءة، لن يسعنا هذا المقال للقيام بها. كيف، إذن، انقلب السبتاويون من النقيض إلى النقيض، من يسار صديق للمغرب، إلى يمين متطرف كاره للمغاربة؟ انقلبوا بسبب الخوف، ولا شيء غير الخوف؛ فحزب فوكس لم يقدم برنامجا سحريا أدهش الناخب السبتاوي، وجعله يغير رأيه جذريا ويكفر بالاشتراكيين في ظرف 7 أشهر. كل ما قام به هو أنه زاد من حدة نبرة مناصبة المغرب والمغاربة العداء، واعتبار المهاجرين أصل كل الشرور المحيقة بإسبانيا، والقول إن الاشتراكيين لم يستطيعوا إحكام إقفال المدينتين المحتلتين في وجه الهجرة الآتية من المغرب، وتقديم الوعود ببناء جدار يفصل سبتة عن باقي التراب المغربي، في أفق الضغط على المغرب ليعترف بإسبانية المدينتين السليبتين. لقد وصل جنون الكره بزعيم فوكس، سانتياغو أباسكال، إلى حد اعتبار المساعدة المالية التي قدمتها إسبانيا إلى المغرب، في غشت المنصرم، لدعم آليات الحد من تدفق المهاجرين على سبتة ومليلية، «أموالا مختلسة».

في مليلية، لم يتمكن فوكس من حصد المقعد البرلماني، أسوة بسبتة، لكنه تفوق على غريمه الاشتراكي، وحل ثالثا بعد الحزب الشعبي وتحالف حزبي محلي، وهو بذلك يتربص بالحزب الشعبي، ويزايد عليه ليحتل مكانه في المستقبل، بعدما وعد فوكس بعزل المدينة عن محيطها المغربي، ونقل رفات دكتاتور إسبانيا الراحل لدفنه هناك، لأن فرانكو، حسبه، دافع عن إسبانية مليلية خلال حرب الريف.

وعلى ذكر فرانكو، فقد كان بيدرو سانشيز، رئيس الحكومة الإسبانية المؤقت، يعتقد أن نقل رفاته من مقبرة وادي الشهداء إلى مقبرة عائلته قرب مدريد، في الفترة التي سبقت الانتخابات، سيرفع من تعاطف الناخب الإسباني مع حزبه الاشتراكي، لكن يبدو أن هذه الخطوة جاءت بنتائج عكسية، وأن كثيرا من الأصوات التي كان سيحصدها الحزب الشعبي وحزب سيودادانوس، ذهبت إلى فوكس بفعل دفاعه المستميت، دون خجل، عن الديكتاتور فرانكو وكامل إرثه الفاشي، في الوقت الذي تتحفظ فيه بقية تمثيليات اليمين في الدفاع عن الإرث الفاشي، خصوصا الدموي منه.

لماذا يكره الفاشيون الجدد في إسبانيا المغاربة، بالرغم من أن رمزهم، الدكتاتور فرانكو، أطلق انقلابه على الديمقراطية من المغرب، وجند ضمن صفوفه 800 ألف مغربي قاتلوا الديمقراطيين في الحرب الأهلية الإسبانية، بعدما دُفعوا إلى الاعتقاد بأنهم يجاهدون ضد الشيوعيين الكفار، إلى جانب «الحاج عبد السلام فرانكو» الذي قيل لهم إنه دخل الإسلام، وإنه سيعيد الأندلس إلى المسلمين؟ لماذا يكره الفاشيون الجدد في إسبانيا المغاربة، رغم أن معلمهم فرانكو لم يكن يثق في غير الجنود المغاربة «La guardia mora» لحراسته الشخصية؟

إن كره فوكس للمغاربة هو من صميم عقيدة الأحزاب القومية المتطرفة التي باتت تتصاعد مثل الفِطر في أوروبا وغيرها، والتي يؤطرها شعار واحد: «الجحيم هو الآخر»، فتجدها كلها تعلق كل أزمات بلدانها على المهاجرين، وتضع على رأس برامجها الانتخابية وعودا بـ«تطهير» بلدانها من المهاجرين غير الشرعيين، ووضع قيود خانقة على الشرعيين منهم.

وأمام شح الإحصائيات والدراسات عن هذا التحول الطارئ، الذي عبرت عنه الانتخابات التشريعية الأخيرة في إسبانيا، وأساس الصعود المفاجئ لفوكس، والاندحار المهول لحزب سيودادانوس مع تراجع الحزب الاشتراكي العمالي وبوديموس.. هناك من يتحدث عن أن نسبة مهمة من الناخبين من أصول مغربية، والذين يصل عددهم إلى حوالي 250 ألفا، صوتت لصالح فوكس، اعتقادا منها بأن التخلص من المهاجرين دون أوراق سيسهم في استتباب الأمن، وتحسين وضعيتها الاجتماعية.

ختاما، تحكي الوثائق الإسبانية، التي كُشفت بعد نهاية الحرب الأهلية الإسبانية، أنه في أحد الأيام من يوليوز 1936، ارتفعت حناجر الضباط الإسبان المتحلقين حول مأدبة غداء، بمنطقة كتامة بالريف، بصوت واحد «cafe..cafe»، لحظتها تساءل الجنرال مانويل روميراليس كانتيرو، القائد العام لمليلية، والذي كان مواليا للحكومة الديمقراطية، عن سبب طلب هؤلاء الشباب القهوة قبل الانتهاء من الأكل، دون أن يخطر بباله أن غداءه هذا هو الأخير، إذ سيصفى جسديا مباشرة بعد الانقلاب. فلم تكن عبارة «cafe» سوى اختصار لشعار: «camarades Falangistas de España» (رفاق كتائب فلانخي إسبانيا). الآن، يبدو أن الفلانخيين الجدد، وبعد 80 سنة من انتهاء الحرب الأهلية الإسبانية، والتي لعب المغاربة –للأسف- دورا فاصلا في حسمها لصالح فاشية فرانكو، قد عادوا يشربون نخب قهوتهم، لكن، هذه المرة، استعدادا لمواجهة المغرب.

شارك برأيك

Samir

C’est partis de la honte il faut qu’ils partent de ses deux villes marocaines qu’ils occupent et qu’ils mettront dans leurs têtes tot ou tard ils partent

إضافة رد