عادل بنحمزة يكتب: أن تكون ديمقراطيا! – اليوم 24

عادل بنحمزة يكتب: أن تكون ديمقراطيا!

  • عادل بنحمزة يكتب: نحن وموريتانيا

  • عادل بنحمزة يكتب: من طهران إلى سانتياغو.. دروس مجانية !

الموجة الجديدة للربيع «العربي»، الممتدة من بغداد إلى الجزائر، وما تحمله من أسئلة عميقة تُسائل مؤسساتوبنيات الدولة القائمة منذ موجة الاستقلال تدفعنا لبحث علاقة المجتمعات في المنطقة بعدد من المفاهيم التي تبلورتفي سياقات ثقافية وحضارية وفكرية وتاريخية مغايرة، والتي كانت دائما علاقة صدام ومواجهة، خذ عندك مفاهيممثل الديمقراطية، الحرية، العدالة الاجتماعية، حقوق الإنسان، والتعددية.. بل مفهوم الدولة نفسه، وهي كلها مفاهيمنشأت وتطورت في سياقات غربية.. سياق الثورات التاريخية الكبرى مثل الثورتين الفرنسية والأمريكية، وهي ثوراتلازالت آثارها ممتدة إلى اليوم بأشكال مختلفة، أنتجت لنا ما أنتجت مما نتوفر عليه اليوم من تراث علمي وفلسفيعظيم غيّر مسار الإنسانية ككل، هذا لا يعني بالطبع أن ثقافات أخرى لم تسهم في هذا التراكم الذي حققتهالإنسانية، يكفي الحديث مثلا عن ابن رشد والفارابي وابن سينا وابن موسى وابن ميمون، والخوارزمي الذي بدونه لايمكن اليوم الحديث عن روبوتات أو ذكاء اصطناعي.

الديمقراطية واحدة من المفاهيم التي استعصت على مجتمعاتنا منذ أزيد من قرن من الزمان، بحيث فشلت كلالمحاولات التي قادها الرواد في بدايات القرن الماضي، من دستور مصر سنة 1906 إلى مشروع الدستور المغربيسنة 1908، وساهمت الهجمة الكولونيالية الغربية، في وضع سؤال الديمقراطية في ذيل الاهتمامات التي سيطرتعليها الرغبة في الانعتاق و»الحرية» من الاستعمار، سواء البريطاني أو الفرنسي أو الإيطالي. وعندما تحققتموجة الاستقلال المبتور، سقطت غالبية دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط، في يد أنظمة في غالبيتها شمولية أوتابعة ظلت مترددة في الاختيار الديمقراطي، وحتى التجارب القليلة الليبرالية التي كان يمكن أن تفتح طريقا فياتجاه مستقبل ديمقراطي وتنموي أفضل، سرعان ما دهستها الأحذية العسكرية تحت شعارات الممانعة والتحررومواجهة الإمبريالية، وكان لإحداث الكيان الصهيوني، وقع سلبي ساهم في نشر موضة الانقلابات العسكرية التيرفعت شعارات التحرر ولم تستطع أن تحرر في النهاية ولو شبرا واحدا من الأراضي المحتلة.

شكل الجهل الطريق الذي قاد إلى جعل الديمقراطية منبوذة، أو في أفضل الأحوال ليست ذات أولوية، وقد اشتركتفي ذلك الأنظمة مع الأفراد. تروي حكاية مصرية بليغة أنه في عام 1913، رشح الأستاذ أحمد لطفي السيد نفسهلعضوية مجلس الشعب، وذلك بمركز السنبلاوين، أحد مراكز محافظة الدقهلية، وكانت عائلة السيد من كبرياتالعائلات في المنطقة، والأستاذ لطفي كان أحد أعضاء الوفد إلى جانب سعد زغلول والشعراوي وعبدالعزيز فهميوآخرين، كما يعتبر الأب المؤسس لجامعة القاهرة حاليا، والتي كانت في الأصل استثمارا خاصا للطفي السيد، وكانيلقب بأستاذ الجيل الذي تبنى ودافع عن الاختيار الليبرالي. نظرا إلى انشغالات لطفي السيد في القاهرة، لميستطع مواكبة حملته الانتخابية وترك الأمر لمناصريه، لكن خصمه تفتق دهاءه عن دعاية مسمومة لجعل الناس تنفرمن لطفي السيد، فقد أشاع في الناس أن الأستاذ السيد «ديمقراطي والعياذ بالله»، لم يكن الناس يعرفون معنىديمقراطي، لكن إقرانها بعبارة «والعياذ بالله» تعني أنها أمر يخالف شرع الله، البعض بدأ يقول: «أستغفر اللهالعظيم»، أما أنصار لطفي السيد والمتعاطفون معه، فكانوا يسعون إلى دفع «تهمة» ديمقراطي، بتأكيدهم علىأصول الأستاذ ونسبه والقسم بأغلظ الأيمان، أنه يؤمن بالله ويؤدي الصلاة ويصوم رمضان.

خصم لطفي السيد كان يقول بأنه لم يكن ليصدق بأن الأستاذ ديمقراطي، لو لم يسمعها من فمه، واختصارا للحيرةالتي استبدت بأهل المركز، طلب منهم لقاء لطفي السيد، وطرح السؤال عليه «هل أنت ديمقراطي»؟ 

لطفي السيد، وبعدما تكررت الاتصالات به من أنصاره وإلحاحهم على ضرورة تواصله المباشرة مع أهل المركز، ضربلهم موعدا لعقد تجمع انتخابي كبير، فكان له ذلك، حضره جمع غفير من أهل المنطقة، وعند انطلاق الجمع الانتخابي،قاطع أحد الحضور مراسيم التقديم والشكليات التي تحيط بالتجمعات الانتخابية، متحدثا باسم كل الحاضرينطالبا جوابا صريحا من لطفي السيد عن سؤال وحيد، «هل أنت ديمقراطي»، فما كان من الأستاذ الجليل سوىالتأكيد على أنه ديمقراطي وسيظل يدافع عن الديمقراطية، باقي الحكاية أن لطفي السيد خسر الانتخابات ومبلغالضمان، لا لشيء سوى لأنه ديمقراطيهذه الصورة لا تختصر فقط، ماضي معاناة بناء الديمقراطية في الشرقالأوسط وشمال إفريقيا، بل إنها تقدم درسا بليغا في ضرورة قيام ثورة ثقافية وفكرية تمس البنيات العميقة للمجتمعوالدولة، بما يسمح لها باحتضان التحديث والديمقراطية.

شارك برأيك