سليمان الريسوني يكتب: صديقي «الإمام أحمد» – اليوم 24
سليمان الريسوني
  • سليمان الريسوني

    سليمان الريسوني يكتب: ما الذي يحدث لنا في باريس؟

  • سليمان الريسوني

    سليمان الريسوني يكتب: لن أصالح هتلر

  • سليمان الريسوني

    سليمان الريسوني يكتب: عندما ينتقد المثقف شعبه

الرأي

سليمان الريسوني يكتب: صديقي «الإمام أحمد»

هكذا يحلو لي أن أناديه، ممازحا، عندما أراه يذيب حدود الإيديولوجيات الجليدية بحرارة خطابه الناري، غير متحرجمن تدينه ولا من يساريته. ولم أفكر يوما في أن أقيم مقارنة بين «الإمامين» إلا بعد اعتقال صديقي أحمد، فتذكرتمحنة اعتقال أحمد ابن حنبل، خلال «فتنة خلق القرآن». وعندما استسلمت للعبة المقارنة بين ويحمان وابن حنبل،وجدت خصائص مشتركة بين الأحمدين، أبرزها الصبر والتواضع والتشدد؛ فويحمان شبيه بابن حنبل في أخلاقهكما في مواقفه من قضايا لا وسطية فيهافي نظرهماولا اعتدال؛ مثل قضايا العقيدة عند ابن حنبل، والقضيةالفلسطينية عند ويحمان. كما أن كليهما ولدا في مناطق «عجمية» وانتصرا للعربية، فابن حنبل خراساني،وويحمان أمازيغي.

لا أخفي أننيوهذا ينسحب على كثير من أصدقائنا المشتركينكثيرا ما كنت أجد أحمد ويحمان مغاليا فيالحديث عن المؤامرة التي تحيق بالمغرب والمغاربة، عندما يقول إن المشروع الصهيوني أنهى شقه المرتبط بالمشرقالعربي واتجه نحو المغرب مستغلا العنصر الأمازيغي، لكن رأيي هذا سرعان ما كان يتبدد وأنا أستحضر جرائمالصهيونية التي لم ينج منها حتى اليهود الذين قتلت كثيرا منهم، في عمليات سرية، لتخويفهم من جيرانهم المسلمينودفعهم إلى ترك أوطانهم والالتحاق بدولة الاحتلال الإسرائيلي. أو وأنا أرى، الآن، كيف تشتغل الصهيونية بمنطقالظهير البربري لعزل الأمازيغ، وقبلهم الأكراد، عن الموقف الإنساني، وليس العربي فحسب، الرافض للتطبيع مع دولةالأبارتايد. لقد كان ويحمان، ولايزال، يحرج الحفنة المعزولة من الأمازيغيين الذين أبانوا عن استعداد للهرولة لمصافحةقتلة الأطفال والتقاط الصور معهم، مقابل تذكرة طائرة إلى تل أبيب، مؤكدا أن أغلب الأمازيغ الأحرار يُحرِّمون بليُجرِّمون إقامة أية علاقة مع المحتل الإسرائيلي الغاصب.

وإذا كان أغلب المغاربة قد تعرفوا على أحمد ويحمان بصفته مناهضا للعنصرية الإسرائيلية، فقد عرفته أنا، إلىجانب ذلك، رافضا مناهضا لبقايا عنصرية في منطقته، حيث كان بعض الأمازيغ البيض يرفضون أن يشاركهمجيرانهم من الأمازيغ السود رقصة أحواش، كما حكى لي. لقد كان ويحمان منذ بداياته الأولى مناضلا من أجلحقوق المنسيين والفقراء والمهمشين والمضطهدين، فعندما كان صحافيا في جريدتي الحزب والشبيبة اللذين انتمىإليهما، كان زملاؤه في «النشرة» يسمون مقالاته وتحقيقاته بـ«أساطير الأولين»، لأنه كان كل مرة يصدمهمبشهادات عن التعذيب والتشريد، يعتقدونلفظاعتهاأنها لا يمكن أن تقع سوى في القرون الوسطى، وخصوصاالتحقيق الذي أنجزه رفقة صديقه الراحل إدريس بنزكري حول الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي شردتوكسرت عظام عائلات كثيرة في الأطلس، خلال سنوات الرصاص.

لقد جعل أحمد ويحمان، إلى جانب محمد الساسي، جريدة شبيبة الاتحاد الاشتراكي أكبر محرج للاتحادالاشتراكي والحزب يتمرن على المرور من المعارضة إلى الحكم مع ملك يهيئ انتقال العرش إلى ابنه. ومن ينسىرفض الشبيبة وجريدتها دستور 1996. لقد مهدت تجربة «النشرة»، وهي تجربة حزبية، لظهور الصحافة المستقلةعن الأحزاب، فكانت تشتغل بمسافة عن مواقف وموارد الحزب، بإمكانيات بسيطة؛ برَّاد شاي محمد الساسي الذييقاس به طول أو قصر افتتاحيات الجريدة، و«رويدة الحرشة» التي كان يدحرجها بوشعيب ذو الكفل، كل مساء،لصحافيي «النشرة» ليسدوا بها رمقهم بعد يوم من العمل التطوعي، قبل أن يجمعهم داخل سيارته الإركاط، فيساعة متأخرة من الليل، ليوزعهم على منازلهم.

وعكس باقي صحافيي «النشرة» الذين أتوا من الجامعة، جاء ويحمان من تجربة اشتغال مهنية بجريدة «الاتحادالاشتراكي»، حيث لم يكن صحافيا منفذا لخط تحريري يرسمه القائمون عليها، بل كان يشتغل، رفقة محمدالأشعري وآخرين، بخلفية توسيع حرية التعبير والجرأة داخل «الاتحاد الاشتراكي». وقد حكى لي ويحمان كيفكان، رفقة الأشعري، يتصيد فرص مغادرة مدير النشر، محمد لبريني، والقائم بأعمال رئيس التحرير، عبد اللهبوهلال، لتمرير «الممنوعات» من المواد، حيث بقيا على تلك الحال من «الاحتيال» على مسؤولي الجريدة، إلى أننشر الأشعري في أحد الأيام عمودا جريئا ومحرجا عن تزمامارت وقعه باسم أبو فارس.

مجالسة أحمد ويحمان لا تخلو من إمتاع ومؤانسة، فرغم ما يبديه من جدية وصرامة قد تبدوان للبعض مبالغا فيهما،فإنه يفاجئك بتفصيل بقي يخزنه في الركن الوردي من مادته الرمادية، فيخفف من فجائعية القضايا والأحداث التييحكي لك عنها، ويجعلك تستلقي على قفاك من الضحك. ورغم ما يثيره ويحمان من حذر وارتياب تجاه كثير ممايحوم، وكثيرين ممن يحومون حولنا، فإن الرجل من أشد الناس الذين قابلتهم صدقا ووفاء وصفاء روح.

أنا متأكد من أن محنة صديقي الإمام أحمد لن تزيده إلا صلابة وإيمانا بالقضايا العادلة التي يناضل من أجلها، ولايسترخص فيها وقته وجهده ورزق أبنائه وحريته.

صديقي أحمد؛ هل تذكر يوم نشرتم في «النشرة» مقالا عن اعتزام أحد رفاقكم في الحزب إطلاق مجموعة إعلاميةكبيرة مع يهودي مغربي على علاقة بإسرائيل، وكيف اخترتم لهذا المقال عنوان: «المومن موساد»؟ خشيتي، اليوم، أنيتحول كثير من الرفاق الذين قاسمناهم، بالأمس القريب، الإيمان بنبل الفكرة اليسارية، إلى مؤمنين بالموساد، بعدماكفروا بالمبادئ والقيم التي آمنا بها جميعا. محبتي، وإلى لقاء قريب.

شارك برأيك