سليمان الريسوني يكتب: ضحايا بلا مجد.. – اليوم 24
سليمان الريسوني
  • سليمان الريسوني

    سليمان الريسوني يكتب: الإخوة الأعداء

  • سليمان الريسوني

    سليمان الريسوني يكتب: اختفاء بلاغات الحموشي وعبد النبوي

  • سليمان الريسوني

    سليمان الريسوني يكتب: من الخطر إلى الفرص الضائعة

الرأي

سليمان الريسوني يكتب: ضحايا بلا مجد..

صادف يوم الاثنين الماضي اليوم العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة. لقد بدأت قصة هذا اليوم مع ثلاث شقيقاتمن عائلة ميرابال الميسورة والمثقفة في جمهورية الدومنيكان، هن باتريسيا وماريا وأنطونيا، جرى اغتيالهن بطريقةوحشية يوم 25 نونبر 1960، بأوامر من الديكتاتور رافاييل تروخيلو، لأنهن كن معارضات لسلطاته المطلقة. وتكريمالهن، قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 1999 تخليد ذكراهن من خلال الاحتفاء سنويا باليوم الدوليللقضاء على العنف ضد المرأة بالتزامن مع يوم وفاتهن.

في المغرب، هناك، أيضا، نساء فقدن حياتهن، وهن في عز شبابهن، بسبب أفكارهن السياسية، أشهرهن سعيدةالمنبهي التي تخلد الحركة الحقوقية واليسارية ذكراها كل سنة، ويذكر الشعراء اسمها في القصائد، وترفع صورهافي التظاهراتكما أن هناك نساء جرت التضحية بهن، والمرور فوق سمعتهن لتصفية حسابات سياسية، أوبالأحرى، تصفية خصوم سياسيين، وقد تحدث عميل «الكابأحمد البخاري، مطولا، عن هذا الصنف منالنساء. غير بعيد من هؤلاء، هناك نساء استعملن حطبا لإحراق الصحافي توفيق بوعشرين، وهن اللواتي اخترت أنأتحدث عنهن بمناسبة اليوم العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة. سوف لن أعود إلى القضية التي يتابع فيهابوعشرين، والتي صدر فيها حكم وطني يدينه، وحكم دولي يطالب بالإفراج، فورا، عنه. لكن، تعالوا نرى حجم وتنوعالعنف الذي مورس على هؤلاء النساء، ولنبدأ من الأخير؛ فمباشرة بعد الحكم الاستئنافي، كتبت إحدى هؤلاء تقول: «سمعة وكرامة الناس ماشي لعبةوفاش الواحد يكون باغي يقضي شي غرض باستغلال مقيت للثقة، وخصوصاإذا ارتبط الأمر بصورة ومصلحة البلاد، ما يستعملش الناس بحال شي جفاف ويلوحهم أول ما يصدر شي حكم». لقد ذهب أغلب من ناقش هذه التدوينة أو علق عليها، إلى أن الجهة التي هندست هذه القضية أخلت بوعد قطعتهللنساء اللواتي استعملن في هذا الملف، بعدما همست في آذانهن بأن اعتقال بوعشرين يدخل في إطار «مصلحةالبلاد».

إنني أتفهم ألم ومعاناة هذه السيدة وأمثالها وأتضامن معهن، خصوصا أن منهن من فقدت عملها، بل منهن منوجدت نفسها، رفقة زوجها، في حالة عطالة، ومنهن من ساءت علاقتها بعائلتها وأصدقائها، ومنهن من كادت تفقدعقلها من فرط التشهير والإساءة التي لحقت بها، ومنهن من اضطرت إلى العمل مع جلادها، أي مع الجهة التيشهرت بها، بعدما قاومت طويلا ورفضت أن تكون من حريم تجريم بوعشرين، قبل أن ترفع يديها مستسلمة وهيتقول: «لا غالب إلا لله»، ومنهن من دُمِّر مستقبلها، وهي في زهرة العمر، بعدما جرى إظهارها في شريط فيديوتمارس الجنس السحاقي مع صديقتهالكن، إذا كانت هذه التراجيديات مفهومة في عرف السلطوية التي تشتغلبمنطق «التقطني واضرب عدوَّك بي»، فغير المفهوم هو أن يشتغل حقوقيون ونقابيون، وضمنهم نساء، بهذا المنطق،ويضربون بوعشرين بنساء لا حول لهن ولا قوة. فتعالوا نتأمل أبرز ثلاث حالات عنَّفها من كان ينتظر منهم توفيرالحماية والدعم لها:

الحالة الأولى، أواسط أبريل 2018، خرجت المحامية والقيادية في الاتحاد الاشتراكي، أمينة الطالبي، تقول لوسائلالإعلام إنها تملك دلائل على أن السيدة «أمل.هـ» مارست الجنس مع توفيق بوعشرين أكثر من مرة، مع أن حتىمحاضر البوليس لا تقول ذلك. فلماذا فعلت هذه المحامية، التي تنتمي إلى حزب يدعي الحداثة ويطالب بالمساواة فيالإرث وعدم تجريم الجنس الرضائي، ذلك؟ لأن السيدة «أمل.هـ» جاءت إلى المحكمة وقالت: «توفيق بوعشرين لميغتصبني ولم يحاول اغتصابي.. ما دفعت شكاية.. ما عرفت هادشي منين نزل علي». إن ما قامت به هذه المحامية،إلى جانب كونهحسب كل الشرائع والأخلاق والإيديولوجياتيسبب الأذى لامرأة عزلاء ولها أبناء، فهو مناقضلحقوق الإنسان، وللفكر التقدمي التحرري، الذي تدعي السيدة الطالبي انتسابها إليه. إذ كيف لمحامية، حقوقيةبالضرورة، أن تخرج إلى باب المحكمة وتعتدي على حقوق امرأة مثلها، وتزايد حتى على محاضر البوليس؟ أنا متأكدأن ما قامت به هذه المحامية في حق هذه المرأة العزلاء، لو حدث في عهد عبد الرحيم بوعبيد، لما بقيت يوما واحدا فيحزب القوات الشعبية.

الحالة الثانية، نهاية ماي 2018، أي بعد حوالي شهر من فعلة أمينة الطالبي، الشنيعة، خرج قاض مطرود، تحولإلى محام، إلى باب المحكمة يصرخ بأن «عفاف.ب» ظهرت في شريط فيديو جنسي، والحال أن الفرقة الوطنيةللشرطة القضائية التي أفرغت الأشرطة وأنجزت المحاضر، والتي لها خصومة مع «عفاف.ب» التي طعنت بالزورفي محاضرها، لم تقل إن «عفاف.ب» تظهر في أي من الفيديوهات. فما الذي حدث بعد هذا الفعل الأشنع؟ جرىتخصيص استقبال حار لهذا القاضي المطرود في حزب أمينة الطالبي، وأصبح مناضلا اتحاديا، وبعدها بمدة خرجيقول إنه يتوفر على صور «فاضحة» لآمنة ماء العينين، قبل حتى أن تظهر تلك الصور في مواقع وجرائد التشهيرالمحسوبة على السلطة.

الحالة الثالثة، أواسط يوليوز 2018، قدم يونس مجاهد، وكان نائبا لرئيس الاتحاد الدولي للصحافيين، ثلاث نساء لاعلاقة لهن بمهنة الصحافة، إلى رئيس الاتحاد حينها، فيليب لوروث، على أساس أنهن صحافيات اعتدى عليهن توفيقبوعشرين، فما كان من لوروث إلا أن وجه رسالة تضامن إليهن، يصفهن فيها بالزميلات العزيزات، ويهاجم فيهابوعشرين وعائلته أيضا! وبما أن حبل الكذب والتحايل قصير، فقد قامت السيدة «أسماء.ح»، وهي، للتذكير، لميسبق لها أن كتبت ولو مقالا في مجلة حائطية، بفضح هذه اللعبة، عندما نشرت الرسالة التي يخاطبها فيها فيليبلوروث بالزميلة العزيزة، على صفحة الفايسبوك نفسها التي سبق أن نشرت فيها تضامنها مع توفيق بوعشرين بعداعتقاله، قبل أن تسحبه، وتتحول، بقدرة قادر، من متضامنة إلى أشهر «ضحية» اتجار بالبشر في المغرب.

مع هؤلاء الضحاياضحايا سلطة مفرطة ومجتمع مدني مختلأعلن تضامني.

شارك برأيك