سليمان الريسوني: الريع الدبلوماسي – اليوم 24
سليمان الريسوني
  • سليمان الريسوني

    سليمان الريسوني يكتب: الإخوة الأعداء

  • سليمان الريسوني

    سليمان الريسوني يكتب: اختفاء بلاغات الحموشي وعبد النبوي

  • سليمان الريسوني

    سليمان الريسوني يكتب: من الخطر إلى الفرص الضائعة

الرأي

سليمان الريسوني: الريع الدبلوماسي

بعد تسعة أشهر من اعتقال طليقته من لدن القضاء الأمريكي، بتهم الاتجار بالبشر والتزوير في عقود العمل وأفعال أخرى، ها هي النيابة العامة في نيويورك تتهم عبد السلام الجعايدي، سفير المغرب الدائم السابق بالأمم المتحدة، بتزوير التأشيرات، واستخدام عقود عمل مزيفة لنقل عمال مغاربة وفلبينيين إلى الولايات المتحدة واستغلالهم؛ حيث كان بعضهم يشتغل لدى سفيرنا وزوجته السابقة خارج ساعات العمل ودون إجازة سنوية، وبراتب لا يتجاوز أحيانا 500 دولار في الشهر. لقد نقلت وكالة «رويترز» عن رئيسة المركز القانوني لمكافحة الاتجار بالبشر في واشنطن، Martina Vandenberg، قولها إن «هذه القضية تبعث برسالة قوية مفادها أن الحصانة الدبلوماسية لا تسمح لحاملها بالإفلات من العقاب».

السيد عبد السلام الجعايدي، كما يحكي زملاؤه، لم يكن تماما سفيرا للرباط لدى l’ONU، بل سفيرا لدى كبرى الماركات الفاخرة للملابس والأثاث التي تكلفه شخصيات نافذة وأخرى أكثر نفوذا في المغرب باقتنائها وإرسالها إلى الرباط داخل الحقيبة الدبلوماسية. ومن خلال دبلوماسية الشوبينغ، وأعمال مماثلة، راكم الجعايدي لنفسه ولعائلته ثروة كبيرة، وأصبح صاحب ضيعات وإقامات فاخرة في الولايات المتحدة الأمريكية. وبدل أن ينقل لنا ثقافة حقوق الإنسان من الولايات المتحدة الأمريكية التي أنتجت للإنسانية «وثيقة الحقوق» سنة 1791، أي قبل 157 سنة من صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فإنه نقل إلى أمريكا عمالا من المغرب، أقرب إلى العبيد، بأوراق مزورة ودون سميك ولا أيام راحة.

دعنا من هذا السفير الذي يعتبر من رموز الريع الدبلوماسي في المغرب، ولنتوجه إلى النيابة العامة باستفسار عن سبب عدم استدعائه، عندما عاد إلى المغرب، للاستماع إليه حول التهم الموجهة إليه، والتي توسخ، في حال ثبوتها، صورة المغرب في الخارج، فالمادة 707 من قانون المسطرة الجنائية، التي تنص على أن «كل فعل له صفة جناية في نظر القانون المغربي ارتكب خارج المملكة المغربية من لدن مغربي، يمكن المتابعة من أجله والحكم فيه بالمغرب. غير أنه لا يمكن أن يتابع المتهم ويحاكم إلا إذا عاد إلى الأراضي المغربية، ولم يثبت أنه صدر في حقه في الخارج حكم اكتسب قوة الشيء المقضي به، أو أنه، في حال الحكم بإدانته، قضى العقوبة المحكوم بها عليه أو تقادمت أو حصل على عفو بشأنها». فعندما يتعلق الأمر بمواطنين عاديين، فإن النيابة العامة لا تتساهل معهم، وهناك حالة حدثت في رمضان الفائت تخص مواطنا مغربيا-إسبانيا ألقي عليه القبض أثناء دخوله التراب المغربي عبر المنفذ الحدودي بني نصار، وأخضع للحراسة النظرية من لدن مصالح الشرطة القضائية بالناظور، قبل تسليمه إلى الشرطة القضائية بطنجة، التي أخضعته بدورها للحراسة النظرية. وعندما قدمته أمام الوكيل العام، أمر بإيداعه السجن، بالرغم من أن الأفعال التي اتهم بشأنها ارتكبت في إسبانيا (اشبيلية) التي يحمل جنسيتها.

عندما أقف على حالات مثل هذه أطرح السؤال الذي سبق أن وجهته إلى أحد وكلاء الملك، الذي خرج متبجحا بأن النيابة العامة لم تعد متحكما فيها من قصر المامونية (يقصد مقر وزارة العدل)، حيث قلت له: «عن أي قصر، غير قصر العدالة، أصبحت النيابة العامة تتلقى أوامرها الآن، إذا كانت بالأمس القريب تتلقاها من قصر المامونية، وعلى أي أساس أصبحت تتابع هذا وتغض الطرف عن ذاك؟».

لقد سبق للملك شخصيا أن تحدث عن الاختلالات التي تعرفها الدبلوماسية المغربية، وقبله وبعده خرج دبلوماسيون سابقون يتحدثون عن الريع الذي ينخر مصالحنا الخارجية، وكيف تستعمل السفارات والقنصليات لأغراض أخرى لا علاقة لها بالدبلوماسية. والغريب، الذي لم يعد غريبا في المغرب، هو أن هذه الانتقادات، بما فيها الصادرة عن الملك، كانت تصدر بالتزامن والتوازي مع توزيع بعض السفارات هدايا على أشخاص قدموا خدمات لجهات في السلطة، أو تربطهم علاقات خاصة بأشخاص نافذين. طبعا نتحدث الآن دون أن ننبش في الماضي المستمر في الحاضر، والذي يمكن أن نذكر منه فقط أن عبد السلام الجعايدي، السفير الدائم للمغرب في الولايات المتحدة، ليس سوى شقيق عبد الرزاق الجعايدي، السفير الدائم للمغرب في باريس، وابن عم فريدة الجعايدي، السفيرة في عدة سفارات.

أما تهمة التزوير التي وجهت إلى الجعايدي الآن في الولايات المتحدة الأمريكية، فقد سبق للشرطة الإسبانية أن وجهتها إلى أحد أبنائه قبل 11 سنة، عندما أوقفته بتهمة تزوير تاريخ صلاحية جواز سفره، بعدما لاحظ أحد عناصرها، في 2008، أن تاريخ انتهاء الصلاحية جرى تغييره، بجرة قلم، من 2004 إلى 2009، وقد بقي نجل السفير معتقلا مدة أربعة أيام، قبل أن تأتي الأوامر إلى سفارة المغرب بواشنطن لتسعفه بفاكس بعثته إلى إسبانيا، تقول فيه إن الجواز ليس مزورا. وحسب ما نشرته الصحافة الإسبانية، حينها، نقلا عن مسؤولين أمنيين، فإن ابن سفيرنا الدائم في واشنطن لم يقدم أي دليل على عدم تزويره جواز سفره، بل كان فقط يصرخ: «أنا ابن سفير، وباعتقالي سوف تفجرون أزمة دبلوماسية مع المغرب».

من المؤسف أن تخرج مسؤولة أمريكية، هي رئيسة المركز القانوني لمكافحة الاتجار بالبشر في واشنطن، لتعطينا الدروس، وهي تقول، عن التهم الموجهة إلى الجعايدي: «هذه القضية تبعث برسالة قوية مفادها أن الحصانة الدبلوماسية لا تسمح لحاملها بالإفلات من العقاب»، فيما قضاؤنا يتابع الصحافيين بتهم مضحكة مثل الاتجار بالبشر والتفكير في إدخال دبابة إلى المغرب.

شارك برأيك